يمثل النظام الدولي ظاهرة سياسية تاريخية ممتدة ومتجددة، ويمكن رد أصوله إلى عصر الدولة القومية في أوروبا عقب معاهدة وستفاليا الموقعة في العام 1648 والتي تتضمن وضع الأسس لهذا النظام المستند على توازن القوى.
الثابت في النظام الدولي هو الترابط بين أجزائه، إذ إن أي تحولات كبرى تقع في جزء منه لابد أن تترك آثاراً على الأجزاء الأخرى، والأمثلة التاريخية على ذلك كثيرة؛ فالعمليات الاستعمارية التي قامت بها الدول الأوروبية لبلدان العالم الثالث بصورة عامة وأفريقيا بصورة خاصة بقدر ما أسهمت في رخاء أوروبا وازدهارها فإنها أفقرت شعوب هذه البلدان وكرست لتخلفها عن ركب التنمية والاستقرار. ومثلما زعزعت الحرب العالمية الأولى استقرار توازن القوى الأوروبية فإنها دفعت بنظام عصبة الأمم القائم على فكرة الأمن الجماعي، أما الحرب العالمية الثانية فقد أسقطت كثيراً من مفاهيم الأمن وكان لنتائجها العسكرية والسياسية والاقتصادية أثر في ولادة توازن عالمي جديد عماده القطبية الثنائية بين القوتين العظمتين.
يلجأ الغرب دائماً إلى استخدام مصطلح نظام دولي جديد عقب خروجه منتصراً من أي حرب كبرى، ولكن واقع الأزمة والصراع في أوكرانيا الحالي يشير إلى أن العلاقات الدولية تمر بمرحلة انتقالية مضطربة وغير معروفة النتائج، وهي مرحلة تاريخية تعقب ضعف وتفكك انهيار الدول وربما تخلق أوضاعاً جديدة ما بعد الحرب.
من ناحية أخرى فإنه في ظل المرحلة الحالية للعلاقات الدولية التي تتسم بالفوضوية وغياب سلطة القانون الدولي ووقوف مجلس الأمن موقف المتفرج في الحرب بين روسيا والغرب، وإن شئت بين روسيا والناتو، بين الفلسطينيين والكيان الإسرائيلي، وصولاً إلى حرب الـ 12 يوماً بين إيران وإسرائيل، والمواجهات المحدودة بين باكستان والهند، فإنه لا يستطيع أي صانع قرار مهما اتسم بالعقلانية أن يجرد نفسه من معادلة القوى مع الدول الأخرى أو ألا يعمل على زيادة قوة دولته من أجل الحفاظ عليها وعدم تعرضها للزوال.
الهيمنة والقطبية
كثيراً ما يحدث الخلط بين مفهومي الهيمنة والقطبية عند الإشارة إلى المسار الذي ستتخذه العلاقات السياسية الدولية في عالم اليوم. الراجح أن حالة القطبية بقدر ما تتناقض وأطروحة النظام الدولي الجديد باعتبارها من المصطلحات التي استخدمت في علاقات الحرب الباردة، فثمة فوارق أساسية بينها وبين الهيمنة، فمن حيث المعنى اللغوي فإن القطبية مشتقة من كلمة قطب وهو الرحى أي الحديدة التي يدور عليها الطبق الأعلى من الرحيين مثلما تدور الكواكب حول الشمس، أما الهيمنة فهي مشتقة من الفعل هيمن وهو من أمن غيره من الخوف ووفر له الأمان، أما في المعنى الاصطلاحي فإن الفوارق بين المفهومين متعددة.
إن الهيمنة قد تتخذ أشكالاً متعددة فقد تكون ذات طابع إقليمي عندما نتحدث عن القوة المالية والاقتصادية للصين في علاقتها مع جنوب شرق آسيا أو أفريقيا عبر طريق الحرير أو مثال ألمانيا في أوروبا.
أو هيمنة ذات طابع عسكري عالمي عندما نشير إلى قيام الولايات المتحدة الأمريكية بنشر قواتها العسكرية في مناطق مختلفة من العالم من أجل فرض الوصاية وفقاً للإرادة الأمريكية.
أما القطبية سواء كانت أحادية أو تعددية فهي شيء مفترض في تاريخ العلاقات الدولية، فحتى فرضيات العلوم الطبيعية والفيزيائية والرياضية لا تتحدث عن قطبية أحادية أو متعددة، فالقطبية في هذه العلوم إما أن تكون ثنائية أو لا تكون ولا يمكن للقطب الموجب أن يعمل وحده دون القطب السالب، وينبغي أن نضع ذلك في الاعتبار إذا أردنا الحديث عن عالم ما بعد الهيمنة القطبية.
الحروب والصراعات التي تدور الآن واضح أنها تأخذ أشكالاً وأنماطاً متعددة من حيث العقوبات الاقتصادية والسياسات الدفاعية والأمنية وكذا الفاعلين فيها، وبقدر ما شككت وأضعفت فكرة الأمم المتحدة ومؤسساتها المعنية بالأمن الدولي أو الاقتصاد والتجارة الدولية وما يتبع ذلك من أمن الطاقة والأمن الغذائي العالمي، ولكن الأزمة الأوكرانية بين روسيا والغرب قد كشفت عن وجه قاتم يتهدد العلاقات الدولية في عالم ما بعد الحرب الأوكرانية الحالية لعله يمثل مسرباً لتوضيح رؤية عما سوف تصير عليه الأمور في مستقبل العلاقات الدولية عقب انتهاء الحرب والأزمة الراهنة.
البيئة السياسية الدولية والإقليمية
السمة البارزة في هذه البيئة هو أنها بيئة صراعية وليست تنافسية الغالب فيها الحرب وليس السلام، تتسع فيها دائرة النزاعات، وتلاشي هلال الأزمات بشكله التقليدي المعروف، فمستوى الخطر والتهديد أصبح في درجات متقاربة بين الأمن في شرق أوروبا أو أمن دول الساحل والصحراء أو حتى أمن الخليج العربي والشرق الأوسط الذي أصبح كأنه في مسقط النيران أثناء كل مواجهة بين الشرق والغرب، فضلاً عن التحولات التي تحدث في الملف اليمني وثيق الصلة بأمن البحر الأحمر.
ربما من المفيد الإشارة إلى التطور الذي حدث في مفهوم وعناصر قوى الدولة الشاملة والطفرة الهائلة في تقنيات وأدوات الحرب، وأعني هنا التحول من مجتمع المعلومات إلى مجتمع الذكاء الاصطناعي بما فيه من فرص ومهددات وتأثيره في موازين القوة القادمة وحرب المستقبل مع مثلث الإستراتيجية والأمن القومي والذكاء الاصطناعي.
الخلاصة
التحولات العالمية وإن شئت الكونية لا تحدث بصورة سلسة ولكن دائما ما تكون عنيفة تعيد أنماط التفكير والسياسات والأستراتيجيات وتربك ميزان القوى في كثير من تفريعاته السياسية والاقتصادية والأمنية، ولذلك فالمسارات المتوقعة للسياسات الدولية القادمة تحمل خصيصة القوة والمصلحة مع تراجع منحنى الأيديولوجيا والقيم الإنسانية لصالح أدوات صاعدة إلى دائرة الاهتمام الإستراتيجي للدول والتكتلات الكبيرة.
كما أن البراغماتية والسلوكية والتحالفات العسكرية والاقتصادية سوف تكون أنسب النظريات والمناهج لفهم عالم السياسة الوطنية والدولية.