مجلة شهرية - العدد (592)  | يناير 2026 م- رجب 1447 هـ

غرام الأدباء

يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة
والأُذن تعشق قبل العين أحياناً
العشق نور للضرير، وظلمة للمبصرين، وحاسّة السمع عند العميان عجيبة، إذ تتكرر المشاهد.
فتى قروي يتعلّم القرآن في الكتاتيب، يحرص على ضبطه وتجويده، خصوصاً حين تُسمّع له طفلة بريئة مثله، فيشدّه صوتها الطفولي الرقراق. يكبر الفتى (طه) قليلاً، وتزداد معه حدّة السمع، وتوقان الشوق، لا لسماع آيات الله فقط، بل لسماع صوت زوجة معلّمه، المهندس الزراعي الذي تزوّج فتاة لم تتجاوز السادسة عشرة.
عشق صوتها، وواظب على حضور دروسه في بيتهم، ولسان حاله في مقاله:
يعشق الحُسن ولكنْ
ليس يحظى بالوصال
وغرام الأدباء - مبصرهم وكفيفهم - لا حد له، ولا سنّ تضبطه. فهذا (الحكيم) وُفّق وهو لمّا يبلغ السادسة، بقبلات راقصة ومغنّية من حيه الشعبي. بقي طعمها في ذاكرته وهو في الستين.
وثالثٌ، كان يتلصّص من ثقب الباب على صبايا الجيران، حين يزرن أهله، وكنّ بدورهن يتلصّصن على صوته الساحر. اجتمع السحر في المكان، فولد لنا أدباً يُسمى (توفيق الحكيم).
سألوه مرّة: لماذا لم تُعد القبلة إلى محبوبتك؟
قال: (أردتُها أن تبقى في داخلي، لتُشعل نيران الحب).
يا الله! فتى في الثانية المتوسطة، ويتكلم كالكبار!
وهل يشكّ الصغار في محبوباتهم؟ ربما!
فالشك إن دخل شيئاً أفسده وعبث به، يعلم بالحقيقة ويطلب الظن، فيكون الفراق.
وهنا نتذكر شطراً للعقّاد:
خيرُ ما في النساءِ ساعةُ ضحك.
الغريب أن الحب، كفصول السنة، يتنوع وينضج مع العمر.
فالحبّ في الكبر، كما في الصغر، يمنح الأمان.
الحبّ والحربُ واويلا قد اجتمعا
في القلبِ، قد انقلبتْ أحوالُ دنياه
وهل يفرّق الطفل في عشقه بين بنت القرية وبنت المدينة؟
إنه يجمع بينهما، ولكن.. من تنتصر؟
لقد انتصرت بنت الفلاحين، معشوقة (تيمور)، على بنت الأكابر.
إنها الفطرة!
الحب يفرّق ويهدم، ويجمع ويبني.
حتى الخدم كان لهم دورٌ في تأجيج حبّ الطفولة!
وكما للكبار طقوسٌ وألاعيب، فالصغار أكثر دهاءً وذكاءً، خصوصاً إذا امتزج حياؤهم بعزّة وأنفة، وبصمت يتبعه رقة، ثمّ شجاعة وثناء، فإنّ الغواني يغرهن الثناء.
لا تسكب الزيت على حبّ الطفولة، خصوصاً في الصيف أو المصيف، فإنه يشتعل، ولا مطفئ له.
حُبّه قوي كحبل القطن الملفوف، لا يقطعه إلا صوتها الرقيق، بنغمة تُداعب الأطراف.
كُلّف بعدّ المحصول من الفتيات، اللواتي يجلبنه إلى الساحة.
وحين وصل إلى (نور)، كأنما خرج البدر!
نادته: (يا أحمد!)
فكان مشدوهاً، غافلاً، ساهياً.
طلب منها كأساً من الماء، ولم يكن به عطش.
لقد أحبّ حمارها الذي تركب عليه جيئة وذهاباً!
بل أحبّ كل حيوانات قرية (النور).
وإن نسيت، فلن أنسى - وأنا على مشارف الخمسين - قبلة الطفولة، من بنت الجيران، وهي تكبرني بخمس سنين، حين كنتُ في الصف الخامس، فمسحت على رأسي، كأنها تقول لي: (إنها قبلة يتيمة).
ذو صلة