قرأتُ الغربان غجر السماء، من أجمل كتب قائمتي لعام 2024م، سيرة ألكسندر رومانس بدت كأنها اكتشاف مؤجَّل.
على مشارف 2025م تجوّلتُ في مكتبة بلا قصد، فلفتني على رفٍّ كتابٌ لم أسمع به من قبل: (هو، وأنا) لنجيب فاضل قاصاكورِك.
مددتُ يدي. كانت تلك مصادفة ضرورية.
يد المترجم مصعب حمّود أتمّت ما بدأته المصادفة، زفّت صوت الشاعر، وعرّبت اضطرابه وأحلامه كما خرجت من لغته التركية، ولا أتخيّل قراءته بترجمة أخرى.
السيرة هنا لا تدخل في خصومة مع الرواية ولا تهرب من الشعر، لكلّ فنّ مجاله ومنطقه.
نصٌّ يجاور التخييل، يقترب من الاعتراف، ويقدّم حياة شاعرٍ يرى العالم من الداخل، ويُعرّي الطريقة التي عاش بها.
الطفولة: الشرارة التي لا تنطفئ
تأتي سيرته مكتوبةً في مقاطع قصيرة تتجاورُ كالشذرات.
ليالٍ يخرج فيها متقمّصاً الفرسان الذين قرأ عنهم:
«ولقد وقعتُ في سحر روايات ميشيل زيفاكو وقعةً جعلتني أنهض في بعض الليالي، فأقتفي جدي القاصد صوب السلطان أحمد… وأتمنطق على خصري بعصاً صينيّةٍ فارعة على أنها سيف، وأمشي من خلفه أخال نفسي فارساً حارساً».
ثم يصف هذا التخيل المتورّم:
«انظر كيف تضخّم خيالي حتى الانفجار».
ويتابع:
«حساسيةٌ مفرطة... قوّة خيالٍ مفجعة... خوفٌ فظيع...
حتى إنني في تلك السن كنت أفهم أنني خلقٌ مختلف».
مزيجٌ مبكّر من الحساسية والخيال والهلع، سيلازمه طوال حياته، ويُلوِّن شعره وحياته.