مجلة شهرية - العدد (592)  | يناير 2026 م- رجب 1447 هـ

سوط عذاب

السوط من مستلزمات الأزمان القديمة، به تقاد الدواب، وتهش المؤذيات، ويضرب الخصوم، ويؤدب الولد. وكان كثير من العرب سوطه بيده لا يفارقها. والسوط مما ورد ذكره في القرآن الكريم، حيث ذكره المولى عز وجل مرة واحدة، وكان ذكره في سياق العذاب. وجاء هذا الذكر في سياق صورة بديعة، قال تعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ (الفجر) [13].
يصف الله عز وجل العذاب الذي وقع على قوم ثمود. وقوم ثمود خبرهم العرب وخبروا ديارهم. أما «سوط العذاب» الذي صبه القوي الجبار على قوم ثمود فهو استعارةٌ بديعة، تصور مقدار العذاب الذي نزل عليهم، فكان عذاباً مصبوباً، ليس قطراً أو سحا، بل هو صب متصل لا انقطاع فيه، انتهى باستلاب أرواحهم من أجسادهم.
هذا العذاب الإلهي جاء من سوط واحد، فكيف لو كان من أسواط عديدة أو كثيرة؟ لا شك أنه يدمر الكون فضلاً عن قوم ثمود.
والعرب التي عرفت السوط وخبرت فعله في الأجساد والأبشار، كانت تعلم أنه من أدوات التعذيب التي تستخدم، ولم يكن العرب آن ذاك ممن عرف التعذيب وأدواته التي خبروها بعد ذلك من الأقوام التي تحيط بهم بعد أن انساحوا من جزيرتهم العربية.
ولعل الضرب بالسوط عندهم من أشد أنواع التعذيب، فلذلك كانت العرب تدخل السوط في كل أنواع العذاب، لأنه الغاية في التعذيب، وهو الذي تزهق به الروح إذا تزايد الضرب به. والسوط لم يكن بعيداً عن كفار قريش في تعذيبهم للضعفاء ممن أسلم بمكة، فاستخدمه أبو جهل وأمية بن خلف وغيرهما.
وجاءت البعثة النبوية وحمل رسولها صلى الله عليه وسلم معجزةً بيانية؛ القرآن الكريم، الذي بهر العرب بما حوى من فصاحة القول، وبلاغة التعبير، وإعجاز النظم. فاشتمل على صور شديدة التأثير في نفوس السامعين، ومنها قول الحق الكريم الآنف الذكر.
ولما كانت العرب تعلم أن السوط من أدوات العذاب، بل هو الأداة الرئيسة للتعذيب عندهم، فكان علمهم بهذا العذاب المصبوب شديد الوقع في الأذهان والعقول. وجاءت هذه الاستعارة البديعة في معرض مفزع، استلهمها الشعراء العرب في موضعها الذي جاء به القرآن الكريم، وأول شاعر أودعها شعره شاعر مخضرم هو: أوس بن بجير الطائي، الذي قال في وقعة بزاخة مع المرتدين من قوم طليحة ومن تبعه من العرب، ويروى أيضاً للمخضرم عميرة بن بجرة:
ليت أبا بكر يرى من سيوفنا
وما تختلي من أذرع ورقاب
ألم تر أن الله لا رب غيره
يصب على الكفار سوط عذاب
وجاء بعد ذلك عمر بن أبي ربيعة (ت 93هـ)، الذي كانت هذه الاستعارة حاضرة في ذهنه وهو ينشئ قصيدته التي مطلعها:
شاق قلبي تذكر الأحباب
واعترتني نوائب الأطراب
يقول فيها:
اقتليه قتلاً سريحاً مريحاً
لا تكوني عليه سوط عذاب
فهنا نقل الاستعارة القرآنية إلى الغزل، وجعلها عذاباً؛ لكنه عذابٌ دون العذاب القرآني المدمر، لأنه تعذيب صادر من محب، وأي حب وغرام لا يكلفك سوط عذاب لذيذ؟
ونلبث دهراً حتى تظهر هذه الاستعارة في شعر منسوب للإمام الشافعي (ت 204هـ) من قطعة له، يقول فيها:
فأصبح لا مالٌ ولا جاه يرتجى
ولا حسناتٌ تلتقي في كتابه
وجوزي بالأمر الذي كان فاعلاً
وصب عليه الله سوط عذابه
فالشافعي استخدم الاستعارة القرآنية كما هي في المعنى والسياق. وأكثر الشعراء من استخدام هذه الاستعارة في موضع البطش والقوة، مقتفين في ذلك السياق القرآني الآسر. قال أبو نواس (ت 198هـ) في طرديته المشهورة:
صب عليه الله من أعدائه
سوط عذاب صب من سمائه
وقال عبدالله بن المعتز (ت 296هـ) يتهدد آل طولون، بعد أن عصى أحمد بن طولون دولة بني العباس:
عبأنا لكم جيشاً بجيش جموعه
إليكم بآساد وأشبل غاب
فهل لكم في أنفس قبل قتلها
وفي العفو منا قبل سوط عذاب
وأعاد ابن المعتز هذه الصورة، لكنه نقلها إلى وصف الصقر، يقول:
وأجـــــدل حكـــــــم بالتأديب
صب بكف كل مستجيب
سوط عذاب واقع مجلوب
أسرع من لحظة مستريب
وقال ابن منير الطرابلسي (ت 548هـ) يمدح نور الدين زنكي (ت 569هـ):
وقائعٌ يرفض تحت وقعها
نظم الثريا في فضا مصامها
فساعة البيض إذا عددها
سوط عذاب صب في أيامها
وقال أبو المحاسن الشواء (ت 635هـ):
وسارت أمام الجيش وهو عرمرمٌ
تسر محبا أو تسوء محابي
بأعلامك الحمر التي عذباتها
تصب على الأعداء سوط عذاب
فلم يجاوز الشاعر هنا سياق الاستعارة القرآنية. ونلحظ أن الشعراء فيما عرضنا لم يستطيعوا أن يجاوزا السياق القرآني الكريم، لتعلقهم به، واستخدامه في نفس السياق، سياق البطش والتدمير. وفي المقابل طوع بعض الشعراء هذه الاستعارة البديعة في سياقات أخرى، فمن هؤلاء أبو تمام في قوله يشفع لقوم بني تغلب عند مالك بن طوق التغلبي، وكانوا قطعوا الطريق في عمل مالك:
ورأيت قومك والإساءة منهم
جرحى بظفر للزمان وناب
هم صيروا تلك البروق صواعقا
فيهم وذاك العفو سوط عذاب
قال ابن المستوفى: أي: (تعرضوا لما أغضبك عليهم بتعديهم الحد في الأمور، حتى صيروا رأفتك بهم سخطاً عليهم). فجعل أبو تمام عفو مالك عنهم كسوط عذاب، لما نالهم من ندم وتحسر على ما أحدثوا من جرم.
وقال كشاجم (ت 360هـ) في إدلال محب:
ها قد كتبت فما رددت جوابي
ورجعت مختوماً علي كتابي
وكأنني بك قد كتبت معذراً
وظلمتني بملامة وعتاب
يا رحمة الله التي قد أصبحت
دون الأنام علي سوط عذاب
أبدع كشاجم في توجيه الاستعارة القرآنية إلى مقابلة بينها وبين رحمة الله، ومتى كانت الرحمة سوط عذاب؟ بالطبع لن تكون إلا إذا كان السوط بيد الحبيب.
أما السري الرفاء (ت 362هـ) فنقل الصورة إلى موقف آخر، فقد زعم أن الشاعرين الخالديين وهما: أبو بكر محمد بن هاشم (نحو 380هـ) وأخوه أبو عثمان سعيد (نحو 390هـ) يسرقان شعره، وكانا في خصومة وهجاء مستمر معه. فجعل سرقة شعره من قبلهما بعد أن راق لهما كأنه سوط عذاب، وهذا السوط هجاؤه لهما، وكشف لصوصيتهما الشعرية، يقول:
نظرا إلى شعري يروق فتربا
منه خدود كواعب أتراب
شرباه فاعترفا له بعذوبة
ولرب عذب عاد سوط عذاب
وإذا تباعد بنا التاريخ نجد صفي الدين الحلي (ت 750هـ) يقول:
غنى بصوت مثل سوط عذاب
وبدا بوجه مثل ظهر غراب
فوددت أني لا أراه فإنني
بكرت إلي مغيرة الأعراب
نقله صفي الدين إلى سياق آخر، فجعل صوت المغني علي سوط عذاب، يصب في آذان السامعين. وهذه الصورة نقلها صفي الدين من عرقلة الكلبي (ت 567هـ) في قوله يصف صوت مغن اسمه علي أيضاً:
علي صوتــــه ســـــوطٌ
علينـا لا علـى الفرس
يقـــــول السامعـــــــون له
رمــــاه اللــه بالخــــــرس
وخـذ يــــــا رب مهجتــــــــه
إذا غنى (خذي نفسي)
لكن صفي الدين زاد عليه أن أورد الاستعارة القرآنية، فجاءت مطابقةً لحال المستمع مع المغني النشاز.
أما قوله: (خذي نفسي)، فهذا مطلع قصيدة للشريف الرضي، وهو:
خذي نفسي يا ريح من جانب الحمى
فلاقي بها ليلاً نسيم ربى نجد
أما ابن الوردي (ت 774هـ) فنقل الاستعارة إلى سياق آخر وهو الشيب، فجعله سوط عذاب تجلد به النساء الرجال، قال:
الشيب ســــــــوط عـــــــــذاب
هام النســــــــاء بقذفــــــــــه
يكفــــــي مشيبــــــــي عيبـــــــاً
أنـــــــي رضيــــت بنتفــــــــــــــه
ونظر تاج الدين عبدالباقي السبكي (ت 771هـ) إلى قول ابن الوردي، لكنه زاد عليه فجعل الشيب سوط عذاب جلل اللحية والعارضين، قال:
قد بان عصــــــر شـــــــــرابي
مذ بان عصــــــــر شبـــــــابي
وقـــــــــد جــــــــددت بشيب
والشــــــيب ســــــوط عذاب
ولم تغب الاستعارة القرآنية عن الأدباء في نثرهم، وفي كتاب تقليد هارون الرشيد (ت 193هـ) هرثمة بن أعين (ت 200هـ) بلاد فارس: (فإن ثبتت قبلهم حقوقٌ لأمير المؤمنين، وحقوقٌ للمسلمين، فدافعوا بها وجحدوها؛ أن يصب عليهم سوط عذاب الله وأليم نقمته). وقال أبو منصور الثعالبي (ت 429هـ) في باب حسن الغناء في الحرب: (إن الأبطال زحموا الأعداء من جوانبهم، وتركوهم كجفاء السيول، صبوا عليهم سوط عذاب، وأسلموهم لعوادي تبار وتباب).
وقال صلاح الدين الصفدي (ت 764هـ) عن بهاء الدين بن سكرة (ت 746هـ)، حين سلم إلى من يعذبه مع غيره: (فتولى عقابهم، وصب على هذا بهاء الدين سوط عذاب، انحل به جسده وأذاب). وقال في موضع آخر عن علي بن مقلد، وقد أمر الأمير سيف الدين تنكز (ت759هـ) بقتله سنة (733هـ)، وكان علي تولى حجابته: (فلبس له جلد النمر، وصبحه بصوب من سوط عذاب منهمر).
وكل هذه المواضع جاءت الاستعارة في سياقها القرآني الكريم. أما الرافعي (ت 1356هـ) فنقلها إلى سياق آخر، قال في وصف الحرب: (وكأن العنان في يده سوطٌ؛ لكنه سوط عذاب).
ولم تخل مراسيم الأنظمة من هذه الاستعارة البليغة، ففي مرسوم السلطان عبدالمجيد الأول (ت 1277ه) الذي صدر سنة (1255هـ) جاء في آخره: (وأن يصب على كل من خالف هذه القوانين المؤسسة سوط عذاب النقمة).
ذو صلة