منذ نحو ثلاثين عاماً وأنا أتابع ما أطلق عليه أحمد فضل شبلول من مصر (كتاب الإنترنت)، وما أطلق عليه محمد سناجلة من الأردن (الرواية الواقعية الرقمية)، وانخرط أكاديميون كثر من أمثال المغربي (سعيد يقطين) والسعودية (فاطمة البريكي) والمغربية (زهور كرام) وغيرهم كثيرون، في دراسة هذا المجال الواعد وإضاءة جوانبه والشواهد المتزايدة على حضوره والوعود التي يقدمها للكتابة الأدبية. وناقشت أكثر من رسالة علمية حول هذا المجال نفسه، وتعرفت على مصطلحاته الشائعة كالنص المترابط أو النص التشعبي أو النص الفائق، والكتابة الآلية، والتأليف الجماعي، والحوارية، وكل ما تقوم عليه الرواية الرقمية من تفاعلية بين مبدع النص (إن كان لا يزال موجوداً) والمتلقين على تنوعهم عبر شاشات الحاسوب والجوالات الذكية، وترجمت كتاباً يحتفي بـ(الشفاهية الثانوية) وبحضور المخاطبين في عملية السرد وبالمتحدثين المتعددين في الرواية وبالنصوص التفاعلية.. إلخ. وتابعت كما تابعتم في السنوات الأخيرة الحضور المتصاعد للشاشات والصور والأحاديث، وتداخل كل هذا في خلطة عجيبة.
لكنني لم أصادف حضوراً حقيقياً مؤثراً لما سمي (السرد الرقمي) أو الرواية الرقمية ولم أجد فيها اختلافاً جوهرياً عما نعرفه من روايات. لا أريد أن أقول إن الإنجاز الفعلي لما يسمى الرواية الرقمية ليس كبيراً، تماماً كما كان الحال مع (رواية الخيال العلمي) وقد اهتممت بها أيضاً في مراحل مختلفة من عملي على الرواية. كانت الرواية التي نعرفها ونعرف تقاليدها هي التي تلفت اهتمام القراء وتحظى بإعجابهم، بينما تظل هذه الروايات الرقمية رغم أهمية طموحها والآفاق التي تفتحها- على هامش فن الرواية الذي تصدّر الفنون الأدبية، وفاز بالجوائز، وشغل عامة القراء، وأحياناً أسأل نفسي هل فازت إحدى هذه الروايات الرقمية - في العربية أو في غيرها من اللغات- بإحدى الجوائز الكبرى المعروفة؟
سأتوقف عند ثلاث مقولات شهيرة انشغلت بها نظرية الأدب ونظرية السرد ضمن نقاط تحول كثيرة مهدت الطريق إلى هذا العصر الرقمي، نعرف أن كل ابتكار في العصر الحديث، وكل آلة جديدة - بدءاً من المطبعة، مروراً بالتليغراف والراديو والتلفاز والحاسب الآلي والإنترنت.. إلخ، وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته - كانت تترك أثرها العظيم على الأدب وأنواعه وطبائعه، وكان الأدب مع كل تحول يسعى بدوره إلى لون من التكيف يحتفظ له بقدر من الخصوصية، وكانت نظرية الأدب منذ أواسط ستينات القرن العشرين، تتحرك استجابة لما يجري في الواقع السياسي والاجتماعي العالمي من أحداث وتغيرات، تماماً كما تتحرك استجابة لهذا التطور التقني المستمر، والذي لا سبيل إلى الفرار من تأثيره على طبيعة الأدب والنقد والفن والحياة.
أولى هذه المقولات وأكثرها تأثيراً هي مقولة رولان بارت الشهيرة عن (موت المؤلف). حين كتب بارت هذه المقالة أواسط الستينات، لم نكن قد وصلنا بعد إلى هذا العصر الرقمي الذي نعيشه، لكنه كان يفتح الباب للتفكير فيه ويكاد يتنبأ بما وصلنا إليه اليوم. كان بارت يتحدث عن الكتابة، ويرى فيها هدماً لكل صوت، ولكل أصل، الكتابة هي هذا الحياد، وهذا المركّب، وهذا الانحراف الذي تهرب فيه ذواتنا، الكتابة هي السواد والبياض الذي تتيه فيه كل هوية، بدءاً بهوية الجسد الذي يكتب.. شاركت السريالية في نزع هالة القداسة عن المؤلف، وأوكلت إلى اليد مهمة الكتابة بسرعة قصوى لكي تكتب ما يجهله الرأس نفسه (وكانت هذه هي الكتابة الآلية) ثم إنها قبلت بمبدأ الكتابة الجماعية وتجربتها، والنص في النهاية نسيج لأقوال ناتجة عن ألف بؤرة من بؤر الثقافة، ورفض توقيف المعنى إنما هو في النهاية رفض للاهوت ولأقانيمه، ورفض للعقل والعلم والقانون.. النص مصنوع من كتابات مضاعفة، وهو نتيجة لثقافات متعددة، تدخل كلها بعضها مع بعض في حوار، ، ومحاكاة ساخرة، وتعارض، ولكن ثمة مكان تجتمع فيه هذه التعددية، وهذا المكان ليس الكاتب كما قيل إلى الوقت الحاضر، أنه القارئ.
في الفصل الأول من كتابه (موت الناقد)، يذكرنا ماكدونالد بمقالة بارت فيقول: كانت مقالة بارت.. دعوة صارخة للحرية والتحرر. إنها ترحب بـ(موت المؤلف) لتبشر بـ(ولادة القارئ).
قد يعمل قتل المؤلف، وكذلك قتل مفاهيم أخرى متصلة مثل (الإبداع) و(الخيال) و(القصد) و(الإلهام)، على تحرير القارئ ويساعده على الانغماس في متع التأويل. لكن يبدو أنها ساعدت على التخلص من الناقد، أو على الأقل تخلصت منه بوصفه مثقفاً عاماً وحكماً يحدد جودة العمل أو يقود الجمهور إلى المعنى).
انسحب النقاد إذن كما يلاحظ ماكدونالد إلى ساحاتهم الأكاديمية الضيقة، وماتوا بالمعنى الفعلي، بينما تقدم القراء زرافات ووحداناً كما يقولون، وصار كل واحد من القراء ناقداً، بدا غريباً أن نتكلم عن موت الناقد وسط هذا الحضور الكثيف للنقاد اليوميين: قد يبدو الحديث عن موت الناقد، من وجهة نظر البعض، سخيفاً في الوقت الذي يقوم فيه الجميع بدور النقاد، فهناك جيش جرار من المراجعين الذين يملؤون صفحات الفنون في الصحف اليومية وفي أعداد يوم الأحد بكتاباتهم. كما أن رد الفعل النقدي لم يعد محصوراً في الصحافة الورقية، فقد شهدت السنوات الأخيرة انتشاراً هائلاً لمجموعات القراءة ونوادي الكتب والمدوّنات على الشبكة العنكبوتية.
رغم أن تمثيلات بارت وماكدونالد جاءت في الأساس من حقل السرد والرواية، فإن كلامهما كان عن المؤلف والناقد بمعناه العام، وليس عن مؤلف السرد أو ناقده فقط. أما العمل الثالث الذي أبني عليه فكرتي هنا فهو دراسة للسرد تنطلق من منطقة علم اللغة الاجتماعي، وتنتهي إلى ما يقترب مما صار يعرف بالسرد الرقمي أو الرواية الرقمية، أعني كتاب أيرين كاكانديز (Talk Fiction) الذي يشير عنوانه الفرعي إلى ما تسميه (انفجار الحديث).
يقوم كتاب كاكانديز في جوهره على فكرة أخذتها من كتاب والتر أونج عن (الشفاهية والكتابية) وإضفاء الطابع التكنولوجي على العالم. ووفقاً لأونج، فإن تطور التكنولوجيات ووسائل الإعلام الإلكترونية، وضع الإنسانية فيما يسميه (ثقافة الشفاهية الثانوية)، والشفاهية الثانوية ظهور جديد لنمط شفاهي من الخطاب ولكن في قلب الثقافات الكتابية، إنها خلطةٌ من الثقافات: الكتابية، والشفاهية، والإلكترونية تعتمل داخل الخطاب المعاصر. والشفاهية الثانوية كما يراها أونج، تشبه الشفاهية الأولية في أمور، مثل غموض المشاركين فيها، وتشجيعها للحس الجماعي، وتركيزها على اللحظة الحاضرة، واستخدامها حتى للصيغ الجاهزة. غير أن الشفاهية الثانوية تختلف عنها في عدة أمور، مثل أنها أكثر أناة، وأكثر وعياً بالذات، ذلك أنها تستخدم وسيطاً نصياً أو كتابياً، لا يزول بسرعة وسهولة.
وقد وصلت ثقافة الشفاهية الثانوية اليوم إلى أعلى مستويات تطورها في الفضاء السيبراني المكون من كل وسائل الإعلام، وتخطت حتى ما أعطاه يونج من أوصاف للشفاهية الثانوية، فبعد أن كان الجمهور غائباً وغير مرئي في زمن أونج، صار اليوم جمهوراً فاعلاً ويلعب دوراً في تعريف الذات.
يصعب في عصر الميديا الإلكترونية الإبقاء على الحد الفاصل بين الثقافة الشفاهية والثقافة الكتابية، فهناك الكثير والكثير من أشكال الثقافة الهجينة التي تنتشر على الإنترنت. وطابع الشفاهية الثانوية الحاضر في تطبيقات من قبيل تويتر هو تجل للرغبة البشرية العميقة للانضواء ضمن جماعة، لا بسبب غريزة البقاء، بل باعتبار ذلك فعلاً عقلانياً متعمداً يقصد إلى التكامل، وبصفته تعبيراً عن حالة وعي بالذات وإعلاناً عن الهوية في إطار ما يمكن أن يصير ثقافات قبلية جديدة.
ببساطة: نحن نستمع اليوم إلى كلام، وخلال ساعات يقظتنا، أكثر مما كان يستمع آباؤنا وأجدادنا، وأجداد أجدادنا. ولكن كيف لهذا الغرق في الكلام أن يؤثر فينا؟ وإذا كان وسيط الاتصال يشكل عقلية من يستخدمونه عبر الزمن، فما العقليات التي نتجت عن طريقتنا الهجينة في التواصل؟ لسنا (شفاهيين) مرة أخرى، وإنما نحن (شفاهيون ثانويون) للمرة الأولى. تشير صفة (الثانوية) لا إلى المعنى التعاقبي فقط، أي مجيء شيء بعد شيء آخر (أي مجيء الشفاهية الثانوية بعد شفاهية أولية وبعد مرحلة كتابية) بل أيضاً إلى فكرة أنها (مساعِدة) أو (تابعة). أو فلنقل إن الشفاهية الثانوية لا يمكن أن توجد قبل وجود الكلمة المكتوبة، ذلك أن التكنولوجيات التي تفعِّل إعادة استخدام الكلمة المنطوقة، تعتمد على وجود الكلمة المكتوبة في التطور وفي بعض مستويات التشغيل، وأيضاً لأن تغيرات العقلية ترتبط بالكتابية، أي العقلية الفردية مثلاً، الواعية بنفسها، والإحساس بالاتصال بصفته عملية نقل للمعلومات، هذه العقلية تقوى في عصرنا هذا، عصر الاتصال.
وهكذا صرنا نتقدم، تدريجياً ومن داخل النظرية الأدبية نفسها، إلى الزمن الرقمي، الذي هو جزء من ثقافة (الشفاهية الثانوية)، بشكل كأنه عفوي كأننا أمام التفاعل القديم نفسه، أي التفاعل المباشر، مع أن هذه ليست الحقيقة. وهكذا يمكن النظر إلى السرد في الزمن الرقمي كأنه مد عفوي للخط على استقامته، من (موت المؤلف)، إلى (موت الناقد)، إلى (انفجار الحديث) وتبادل الأدوار بين الكتاب والقراء والشاشات والميكروفونات في ثقافة الشفاهية الثانوية التي غذتها حفلات التوقيع ومجموعات القراءة والجوائز والقوائم، وكل وسائل التواصل وآليات الإنتاج الإلكترونية والآلية السائلة التي لا نهاية لها، وكأننا أمام زمن غريب مدهش تسبق فيه المعرفة الفيزيقية الحقيقية الخيال البشري الجامح. أو كما قال محمد سناجلة مرة في توصيف زمن ما يسميه (الرواية الواقعية الرقمية): (لأول مرة في التاريخ البشري تسبق المعرفة الخيال) (ص23).