مجلة شهرية - العدد (592)  | يناير 2026 م- رجب 1447 هـ

النص والتلقي في ظل التحولات المتسارعة

لم يكن الفن عموماً، والفن الأدبي بشقيه: الشعري والنثري، خصوصاً، بمنأى عن حركة عجلة الحياة؛ إذ شكل والحياة ثنائية شبه عضوية تكاملية. وقد أثبت الفن الأدبي، عالمياً وعربياً، أنه مرآة تعكس ما يدور في محيطها عبر الإتيان بموضوعاتها نتفاً من مناجمها الأولية، ليقدمها الكتاب نهائية أمام المتلقين، بل تكرس الأدب سجلاً يلجأ إليه وإلى فتحه المهتمون للتعرف إلى الحيوات السابقة التي لم يبق منها سوى آدابها لنقل ما كانت عليه، كما يبقى العطر في القوارير شاهداً يحكي عن أصوله/الزهر قبل تقطيره (حسب تعبير الأديب اللبناني مارون عبود). ولأن الحياة لا تعرف التوقف، حيث أن في توقفها مقتلها، فكذلك الأدب، إذ تشكل الأحداث والمتغيرات الحياتية والتحولات التي تفرضها الظروف، منعطفات فيصلية في تاريخ الأدب، لكن ما ينبغي الالتفات إليه، أن هذه التحولات، وعلى مر العصور، لم تصب الأدب عند حصولها كما لو أننا نضغط على أزرار فيحصل ما نريد، بل إن الأدب، بإبداعه ونقده، يتأخر تفاعله مع ما يدور حوله من متغيرات، إذ يرتبط تغيره وتبدله باختمار فكرة التغيير لدى الأدباء، فتسهم الحياة بتذخيره وتغذيته كونها سبباً من أسباب نموه وحياته، ويسهم هو في تطويرها عبر إعادة تدويرها، فيستحيل سبباً لولادتها بعد أن كان نتيجة لها. وهذا ما جعل الصبغة الحياتية ترمي بثقلها على الفنون، وتحمل أصحابها ألوانها وهويتها، فيستحيل الفن، وعلى رأسه الأدب، وعاء أو مسرحاً للمعرفة، واستعراض المستجدات، والصراعات والتناقضات الفكرية والثقافية والحضارية، لا بل الدموية أحياناً. وما يؤكد ذلك، سيطرة ما عرف بالفن أو النقد الكلاسيكيين أوروبياً على مدى قرون، وسيطرة نمط من الشعر ينسجم وطبيعة ما عرف بنظرية عمود الشعر عربياً منذ الجاحظ وصولاً إلى المرزوقي الذي أرسى قواعدها الصارمة. وليس تسليط الضوء على هذين النموذجين، فنياً ونقدياً، مجرد انطباع أو موقف، بل نتيجة تقاطعات وتقارب في الطرح والتطبيق. فقد غيبت الكلاسيكية الذات المبدعة لصالح العامة، وعقلنت العواطف وتشددت بضرورة الاتباع على حساب الابتداع، حتى جاءت الرومانسية وبعدها الرمزية، لتحررا الفنانين، ومنهم الأدباء والنقاد من قيود الأسلاف، عبر منح الحرية للذات والمخيلة والفنية لتجاوز السياجات العتيقة. وكذلك في الفن الأدبي والنقد العربيين سابقاً، إذ حصرت نظرية عمود الشعر، بمبادئها الاجتماعية والأخلاقية، الشعراء في نفق المعاني العامة، مغيبة المعنى الخاص الذي يتفرد به المبدع، وطامسة كل طرح نظري ونقدي يقوم على ضفافها، متخذة من كل نظرية تحاربها سبباً لرسوخها وتكريسها، ولم يقم بهز ثوابتها سوى الشعراء أنفسهم في مرحلة ما عرف بالشعر المحدث والتجديدي، ذلك الشعر الذي حورب أصحابه، ما جعل النقاد المحافظين يستنفرون طاقاتهم للوقوف في وجه هذا المد التجديدي المهدد كيانات من هياكل قديمة لم تعد قادرة على تحمل البناء الجديد فوق أعمدتها المهترئة، وأبرز التهم كانت أن الجدد لا يشبهون الأوائل.
هذا التقارب بين النموذج الغربي والنموذج العربي، يؤكد تقديس الجمهور للشكل النهائي للفن، وهذا امتداد لتقديس الشكل النهائي للحكم والسلطة، إذ يصبح أي مساس بالقدوة والمثال شبهة وتهمة ومشاغبة وفوضى، وبخاصة إذا كان الشكل مستمداً من السماء سلطة وحكماً، ومن القديم فناً وأدباً ونقداً. فهل بقي الشكل المقدس للنص قادراً على الصمود في وجه المتغيرات الجديدة؟ وهل يستطيع النقد أن ينحصر في غرفة من المناهج الضيقة، وإن كانت ممتدة ومتسعة بعد أن أفلت النص الأدبي من إسار صاحبه أولاً، ومن عزله بنيوياً وتقديسه عبر موت المؤلف؟ أم أصبح القارئ هو من يسوي النص وينفخ فيه من روحه الثقافية فنقع له قارئين؟
على الرغم من تحييد القارئ والمتلقي مدداً طويلة من الزمن، إلا أن شبح التلقي لم يغب يوماً عن خيال الكاتب، لا بل ينبغي الاعتراف بأن الكاتب هو المتلقي الأول لنصه قبل ولادته وفي أثناء المخاض وبعد خروج المولود، إذ ليس بمقدور كاتب أن يقدم البكر من الموضوعات والمضامين والمعاني، بل جل ما يفعله أن يدلق دلاءه المعرفية من جعبة ما توصل إليه عبر قراءاته المتنوعة والمختلفة ضمن قوالب وحلل فنية فيها من الابتكار والتفرد. لكن الطفرة العلمية اليوم، وما تتعرض له الساحة الكونية ومنها الساحة الإبداعية والكتابية من غزو، تجعل الكتاب، مبدعين ونقاداً ومتلقين؛ أمام مأزق واقعيات رسمية لا يمكن أن تدار لها الظهور كي لا يكون هذا فناء، وفي الوقت عينه لا يمكن أن يواجه المعنيون هذه الوقائع أو الأفعال بما لا يقدرون على مواجهته، إذ لا قدرة على تغيير فعل يفرض نفسه، وذلك لعدم استطاعتنا ممارسة قدراتنا وإرادتنا وسيادتنا على الفعل، بل ما ينبغي أن يحدث هو ممارسة هذه السيادة والقدرة على الذات وردود الأفعال في التعامل مع هذا الوافد الذي يطرق الأبواب بما أوتي من قدرات وقوة. فالقلم في يد الكاتب، والريشة بين أصابع الرسام، والإزميل تحت مطرقة النحات؛ أصبحت عرضة للتطور وتجاوز حدود وجودها المعتادة، عبر تحميلها قدرات إبداعية جديدة، ومن مشارب مختلفة، في مخبز الذكاء الاصطناعي والنصوص الرقمية اليوم، إذ يحولها الأمر الواقع للتكنولوجيا إلى حجر يتدحرج من على قمة جبل ثلجي (حسب تعبير ميخائيل نعيمة)، فينتفخ مما لملم في أثناء جريانه ويصبح عاجزاً عن التخلص من هذه الأورام، فلا يبقى أمامه سوى أن يتبناها ويجعلها من نسيج هويته وماهيته الجديدة. وبهذا لم يعد خافياً ما يتهدد العملية الكتابية، من خطر حلول أزرار مكان أيادي المبدعين والنقاد، ولكن ما يطمئن، ولو مؤقتاً، أن أدوات التعبير والقراءة مسيطر عليها رقمياً ومكننةً، في حين أن مشارب الكتابة ومسالكها ما زالت خاضعة لذوق الإنسان المبدع والإلهام، حيث لا يد للذكاء الاصطناعي في ذلك حتى الآن. لكن الخطورة تكمن، في تكاسل المبدعين ورمي محاصيلهم في سلال الذكاء الاصطناعي والنص الرقمي لاختيار الترتيب والتصوير خصوصاً في وسائل التواصل والمنصات الإلكترونية، متغافلين عن مأساة الكسل التي ستصيب المتلقي والقارئ الذي يغرف من تلك الوسائل، إذ بدأ يتخلى عن خياله في التأويل والتفسير حين تخلق النصوص الممكننة صورة أو رسمة تختزل المعنى والرؤية، فيوفر فرصة التأويل والتحليل، لكنه يحرم من لذة الاكتشاف.
وهكذا، فإن الخطر الداهم لا يمارس انتصاراته على الكاتب فحسب، بل على الناقد والمتلقي، وبخاصة إذا أصبح مستلباً ومتلقياً سلبياً ينتظر ما يقال له بدلاً من مشاركة الكاتب في كتابة النص شعوراً وذاتية وموضوعية.
ذو صلة