لا ينفكّ الأدبُ -بوصفه خطاباً- عن السلطة: الدينيّة، والاجتماعيّة، والسياسيّة، فهي التي ترفع من شأنه وتحط. والأدباء في صراع دائب مع هذه السلطة، في كلّ زمانٍ ومكان، إمّا باختراقها والانتماءِ إليها، وإمّا بالتمرُّد عليها. كلّ ذلك يتمّ في زمن الخلق الفنّي، فيكون لهذه السلطة دور بارز في تبنّي هذا الخطاب الذي يعبّر عنها، ومحاربة الخطاب الذي يعارضها ولا يتبنّى رأيها الذي تؤمن به. وهو ما يخلق أدبين متمايزين في كلّ حقبة حضاريّة وثقافيّة: أدبٌ يتمّ تبنيه ورعايته، وآخر توصد في وجهه الأبواب. وأقرب مثال لذلك مكانة ذي الرّمة بين فحول شعراء عصر بني أميّة، إذ كان حظّه أقلّ من أقرانه: الفرزدق، وجرير، والأخطل، وما ذلك إلا لأنّه كان ملفوظاً من الخلفاء، ولكنّه كان يبزّهم جميعاً في كثير من مخايل الشاعريّة وأسسها.
والأديب الحقيقيّ إنسان متمرّد بطبعته، وأول ما يكون تمرُّده على الأدب نفسه، وهو ما أسميه بالتمرّد الفنّي، الساعي -أبداً- إلى التجديد، وإضافة طاقة جديدةٍ في شرايين اللغةِ: أدباً وفنّاً، فتتكرس كلّ السلطات في يد الناقد، الذي ينوب عن السلطة ويمثّلها: فنّيّاً، وفكريّاً، واجتماعيّاً، وفق منطلقين رئيسيّين: دينيّ، وفكريّ، ويشمل الفكر والسياسة، والاقتصاد، والثقافة، وغيرها.
وبنظرة سريعة إلى تاريخنا الأدبيّ عامّة، والشعريّ خاصّة، سنقف عند حقيقة وقوف النقد ضدّ التجديد المطلق، لأنّ الناقد لا يسود وترتفع مكانته إلا من خلال امتلاكه كلّ الأدوات التي تتصل بالأدب السائد: لغته، وفكره، وهويّته الفنّيّة، فهو ضدّ كلّ جديد يُجرّده من هذه السلطات. وهنالك سلسلة متّصلة في عصرنا الحديث، إذ هاجم العقاد أحمد شوقي، واتّهمه بالتقليد، ثمّ جاء ورفض شعر صلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطي حجازي، ونفاه عن الشعر، لأنه كتب بالتفعيلة التي لا تلتزم القصيدة الخليليّة التي عرفها الناس. ثم جاء أحمد عبدالمعطي حجازي ووصف قصيدة النثر بالقصيدة الخرساء، ورفض الاعتراف بها وبنسبتها للشعر.
ما رأيناه عند العقاد وحجازي ليس بدعاً في الأدب، فكلّ سلطة راسخة ترفض كلّ جديد يمكن أن يزعزع مكانتها، وتروي لنا كتب الأدب ما كان من إمام أهل اللغة، أبي عمرو بن العلاء، وله مقولتان راسختان، إذ قال في حكمه على الأخطل وأقرانه من الشعراء: «لو أدرك الأخطلُ من الجاهليّة يوماً واحداً، لما قدّمت عليه أحداً».
وهو القائل: «لقد كثُر هذا المُحدثُ وحسن، حتى هممتُ بروايته».
وها هو ابن الأعرابي، وقد كان ينتقص مكانة أبي تمام، ويغمطه مكانته، وقد أنشد من شعر أبي تمام وهو لا يعرف قائله، فاستحسنه جداً، وأمر بكتابته، فكتب له. ثم لما قيل له إنه من شعر أبي تمام، قال لكاتبه: «خرّقْ خرّق»!
هذا غير كثير من الآراء التي غمطت الشعراء فضلهم، إمّا لتأخرهم، وإمّا لخروجهم عن نسق الشعر السائد في العصور التي تسبقهم، وما محاورة أبي تمام ببعيدة، حين قالوا له: «لماذا لا تقول ما يُفهم؟» فقال: «ولماذا لا تفهمون ما أقول؟».
نحن اليوم نعيش راهناً ثقافيّاً مختلفاً عن كلّ العصور السابقة، ليس في تغيّر خارطة الأدب، بل في سرعة هذا التغيّر، ونمط التغيير. فبظهور الإعلام الحرّ أصبح كلّ شاعر يمتلك منصته الإعلاميّة الخاصّة، وجمهوره الخاص، فقلّت سلطة الناقد التي تنتخب من الأدب وفق ضوابط معروفة، وأسس راسخة، ومعايير محدّدة. وأدى اتساع رقعة الأدب إلى اختفاء ملامح الأدباء، لكثرة الانتحال والسرقات. وقد دخل الأدب مرحلة جديدة أوشك أن يتحوّل فيها إلى أدبٍ رقميّ، لا سيما بعد دخول الذكاء الاصطناعيّ، وهو ما أفادت منه كلّ العلوم والفنون على السواء، وليس الشعر بدعاً عن ذلك كله.
يمكنني القول، بعد محاورات كثيرة مع الذكاء الاصطناعيّ: إنّه بارع في العلوم والفنون، متى وجد التغذية الصحيحة والسليمة، وتمّ تدريبه والصبر عليه. فما ينتجه من نقد فيه براعة فائقة، بوصف النقد ضرباً من العلوم إذا قيس بالشعر، له أسس علميّة، وقواعد راسخة. ولكنّي أشكّ في قدرة هذا الذكاء أن يحلّ محل الشاعر، لبرمجته بمنهجيّة علميّة صارمة، وليس الشعر علماً من العلوم، ولكنّه الموهبة، وتوقد العقل، وتوهّج العاطفة. ورغم هذا الرأي، فأنا أدعو الشعراء للإفادة منه، ومحاورته، وتغذيته بروح الشعر، وألا يتركوه لأهل العلوم، حتى لا يفسدوا الشعر بأوهامهم وأحلامهم. ويملؤني يقين مطلق، أنّنا بعد سنوات قلائل لن نجد منتجاً شعريّاً يكون إنتاجه بشريّاً خالصاً، إذ سيتّحد الإنسان والآلة معاً لإنتاج أدبٍ جديدٍ، وشعرٍ جديد. هكذا يخبرنا تاريخ الأدب عن كلّ العصور.
على الشعراء أن يدرّبوا ذائقتهم على روح عصر جديدٍ، سيلفظهم عن قريبٍ إذا لم يكونوا جزءاً فاعلاً منه، فقد أصبحت الآلة اليوم جزءاً مهمّاً من نمط الحياة، وستدخل بقوّتها الناعمة الماكرة كلّ قلعةٍ حصينة من قلاع الفكر والأدب، وأهمّها قلعة الشعر التي اتّسعت منذ زمنٍ بعيدٍ، وتلاشت كثير من الحدود الفاصلة بينه وبين النثر، لتبنّيهما فكراً جديداً، وفلسفة جديدة. وقد يصبح الشاعر الجديد هو الشخص الأكثر قدرة على فهم روح العصر وآلاته، ينتج من خلالهما أدباً جديداً، لا سيما وأنّ هذه الآلة نفسها هي التي ستكون الناقد الأول لكلّ عملٍ فكريّ، لن يستغني عنها الناقد، وهو يعلم أنّ المتلقي قد أصبح فريسة بين براثنها.
عن نفسي فقد حاولت أن أصل إلى أقصى ما يمكن أن ينتجه الذكاء الاصطناعيّ من الشعر، وخرجت بقينٍ لا شكّ فيه، أنّ جميع المبدعين لن يستطيعوا الاستغناء عنه، إمّا لحظة خلقهم الفنّي، وإمّا بعرض عملهم عليه بعد انتهائهم منه، على اختلافهم في ذلك بين: وضع خطّة تفصيليّة للعمل، كما يفعل أهل السرد، وبين فتح مسارات جديدة تقفز بالنّص إلى نقطة بعيدة عن تسلسل الأحداث. ومن أجمل النماذج التي خرجت بها بعد محاورة مطوّلة، أن أنشأنا معاً هذا المقطع الشعريّ الذي يزيد يقيني بأنّنا مقبلون على أدبٍ جديد. فبعد عشرين تغذيةً، وكثيرٍ من التعديل، أنشأ الذكاء الاصطناعيّ هذه الأبيات التي أترك الحكم عليها إلى القراء في اتساع دائرة التّلقي:
شربْتُ الوقتَ منْ كفِّ الظلامِ فأوجع راحتَيْ وقتي حُطامي
تسلّقني الحنينُ بغيرِ كفٍّ وأطفأ يا فمي، جمرَ الكلامِ
يذوبُ الضوءُ في عينيّ صمتاً ويَصْفرُّ العبيرُ على الغمامِ
أشَمُّكِ من رمادِ الضوءِ وحيّاً وألمسكِ اشتعالاً في المسامِ
أراكِ إذا تنفّسني غيابٌ هديلَ العطرِ في جُنحِ الهُيام