مجلة شهرية - العدد (592)  | يناير 2026 م- رجب 1447 هـ

الإبداع التفاعلي في ظل الحياة الرقمية

تمثل التطورات الحضارية في العالم حتمية الانتقال المؤكد نحو العوالم التكنولوجية والرقميات، والتي صارت تفرض نفسها على حضور المبدعين من الكتاب، حيث لم يعد الحضور ضمن هذه الفضاءات خياراً، وهذا لدور الخوارزميات في تشكيل اللغة والمعنى، وتحقيق العوالم الخيالية التي ينتجها المبدعون من الأدباء. فالكتابة لم تعد فعلاً ذا اتجاه واحد، بقدر ما هي تجربة تفاعلية يتقاطع فيها الإنسان مع الآلة، والفكرة مع البرنامج الرقمي. وبذلك فإن المبدع الذي يتخندق داخل أنساق التعبير الكلاسيكية سيفقد ارتباطه بالواقع الذي كشف عن ضرورة الانتقال إلى ضرورة التعايش مع الوسائط المستجدة.
لذلك فقد ذهب المتابعون لتطورات وسائط الكتابة الإلكترونية إلى أن المبدع مجبر على ضرورة الدخول لمجال التكنولوجيا، خصوصاً أنه بمجرد أن يستوعب جوهرها، (ويضع يديه على مواضع التقائها مع مجال فنّه؛ حتى يهتدي إلى الكيفية التي يقيم بها علاقة متوازنة معها... فنجدها حالياً شريكة لكلّ الفنون: تحرك المنحوتات، وتمزج الأنغام الموسيقية، وتشارك في وضع الديكور، وتتحكم في الإضاءة المسرحية، وتنتج الخدع السينمائية). ونكاد نجزم القول بأنه لا يوجد مجال لم تخترقه التكنولوجيا، وبخاصة أنها سهلت على مستخدميها الكثير من العقبات التي كانت تعيق عملهم، من حيث الوقت والجودة.
لقد انخرط الأدب في راهن التقنية، فلم يَعُد النصّ ورقياً، بل أصبح يتشكّل داخل بيئة رقمية تُعيد تعريف أُفق الإبداع والتلقي معاً. إنّ هذا الانتقال فرض ظهور مبدعٍ مختلف يمتلك وعياً رقمياً، ومتلقٍّ له دور في بناء المعنى داخل فضاءٍ تفاعليٍّ لا يعترف بحدود المؤلف أو النصّ المغلق. فالكتابة في الراهن باتت (تعبر عن التحولات التي ترافق الإنسان بانتقاله من كينونته الأولى كإنسان واقعي إلى كينونته الجديدة كإنسان رقمي افتراضي).
وقد وقفت الناقدة فاطمة البريكي مطّولاً حول وجود الكثير من الأسباب المقنعة التي تجعل هذا النوع من الأدب مقبولاً عند فريق القابلين به، وقد عدّدتها على الشكل التالي:
- الأدب التفاعلي هو النموذج الأدبي المعبّر عن العصر الرقمي التكنولوجي خير تعبير، وهو الذي يصلح لأن يمثله أمام الأجيال اللاحقة بصفته نتاج هذا العصر، وثمرة جهد فكر مبدعيه.
- يقرّ الأدب التفاعلي بدور كل من المبدع والمتلقي في بناء النص، وبذلك يصبح المتلقي في موضع ندّي مع المبدع الذي استأثر باهتمام النقاد حيناً طويلاً من الدهر في الأدب الورقي التقليدي، إلى أن بدأت صيحات الالتفات إلى المتلقي بالارتفاع. في حين أن (الأدب التفاعلي) قام من البداية على مبدأ المساواة بين طرفي العملية الإبداعية (المبدع-المتلقي) في إنتاج الطرف الثالث (النص). وهو ما يعكس التحوّل الجوهري في فعل التلقّي الأدبي، حيث لم يَبقَ القارئ متلقياً سلبياً يكتفي بمتابعة النصّ كما شُكّل له على الورق، بل أصبح فاعلاً يشارك في إنتاج المعنى وصنع العوالم الأدبية. فالتقنية لم تغيّر وسيلة القراءة فحسب، بل غيّرت منطقها: إذ انتقل القارئ من موقع التلقّي للنص إلى موقع المشاركة في إنتاجه.
في هذا السياق، يتحوّل النصّ من بنية مغلقة إلى فضاء مفتوح، وتصبح الرواية التفاعلية نموذجاً لزوال الحدود بين الكاتب والقارئ. فالقارئ هنا يمتلك آليات بـ(تحريك الشخوص) و(تشكيل العوالم) عبر إمكانات الوسيط الرقمي، وهو ما يجعل التخييل الأدبي أقرب إلى المحاكاة الدينامية منه إلى السرد الخطي.
يمثل هذا التحول نقطة انكسار في نظرية التلقي: إذ لم يعد المعنى رهين النص، بل يُصنع عبر التفاعل معه، الأمر الذي يدفع بالنقد الأدبي إلى إعادة النظر في مفاهيم مثل (الكاتب)، و(النص)، و(القراءة)، لصالح مفاهيم جديدة مثل (المنتج المشارك) و(التجربة النصية التفاعلية). وبذلك، يصبح الأدب في العصر الرقمي ممارسة جماعية تُعيد توزيع أدوار الإبداع بين المؤلف والقارئ، فيتحوّل النص من موضوع للتأويل إلى عملية مفتوحة للخلق المستمر.
فقد أصبحنا نتحدث عن قارئ رقمي يعيش في المجتمع الرقمي، وله القدرة على التعامل بشكل جيد مع ما يتطلبه العصر من أدوات، وهو ما أشار إليه حسن سلمان في مقال وسمه بالأدب الرقمي، يطالب بحقوقه المهدورة، حيث قال: (فالقارئ لم يعد سلبياً كما كان حال القارئ الورقي، لكنه قارئ متفاعل تماماً، ومندمج مع النص، ويستطيع في كثير من الأحيان أن يعيد تشكيل هذا النص والتأثير فيه، وأحياناً مشاركة الكاتب في كتابته وأخذه لمسارات أخرى). لم نعد نميّز بين المبدع والقارئ، خصوصاً في طبيعة النصوص الرقمية ذات النسق الإيجابي، والتي تمنح فرصاً أكبر لظهور دور القارئ/المنتج، ما دام أن عملية الإبداع أصبحت لا تقوم على دور الكلمة مفردة، بل بالجمع بينها، وبين كلّ مرئي مهما كان نوعه، وهذا ما أصبح يخلق تفاعلاً دائماً بين القارئ، وبين الشاشة الزرقاء.
تؤكد لبيبة خمار أن النص في الراهن بات يرفع من شأن القارئ، فحوّل القراءة إلى فعل استكتاب يشرك فيه القارئ الكاتب في بناء المعنى. فالنص لم يعد خاضعاً لسلطة الكاتب أو القارئ وحدها، بل تجاوزهما معاً نحو أفق جديد، أسس لما أسمته الباحثة (نظرية التفاعل النصي)، التي تمثل تجاوزاً لنظريتي التفكيك والتلقي. فالحاسوب لم يعد مجرّد وسيلة للنشر، وإنتاج ما يسمى بالأدب الإلكتروني، أي ذلك الأدب الذي يُقرأ عبر الحاسوب فقط. ويقوم هذا النوع على تحويل الأعمال الأدبية من شكلها الورقي التقليدي إلى الصيغة الرقمية (PDF). وقد أسهم هذا التحوّل بشكل ملحوظ في تيسير وصول الأعمال الأدبية إلى القرّاء، بخلاف النشر الورقي الذي ما زال يعاني من ضعف التوزيع والتسويق، ولا سيما في الوطن العربي.
يظهر الدور المهم الذي يلعبه جهاز الكومبيوتر، في تفعيل دور القارئ من حيث تمكينه من مجموعة من الوظائف في مقدمتها القراءة، والمشاركة في الإبداع. والحقيقة أنّ هذه الأفكار -في مسار تحوّل دور القارئ عموماً- لم ترتبط بظهور الحاسوب فقط، وإنما هناك العديد من النظريات التي أكّدت على ضرورة إعطاء القارئ دوراً فعالاً في قراءة النص الأدبي عموماً، أبرزها نظرية القراءة والتأويل. ولكنها أصبحت تأخذ منحى وتوجهاً مختلفاً مع ظهور التقنية الرقمية، فقد وسعت من المساحة المخصصة له، وتم (تحويل هذا الفعل القرائي من وجوده بالقوة إلى الوجود بالفعل. فالنص الرقمي يسهل من عملية استكشاف الفراغات وملئها، حيث يتم الإعلان عنها، عبر دعوات إعلانية توجه للقارئ لإتمام النص وفق رؤاه الذاتية، فتأتي البياضات محددة النطاق، معلمة بالأيقونات السهلة لفعل الإضافة، مستعرضة كافة الأوامر والإرشادات). (عبد القادر فهيم شيباني: سيميائيات المحكي المترابط.. مقدمة نقدية للرواية الرقمية).
في مقابل ذلك أصبح لجمهور قراء هذا النوع الأدبي متطلباتهم الخاصة في طبيعة ما يرغبون في قراءته، وفي مقدمتها أن يكون النص قصيراً، لأن القارئ الرقمي لم يعد له قوة الصبر، على قراءة النصوص الطويلة كما في الشكل الورقي، وبحسب رأي بعض المبدعين في الأدب الرقمي فإنه من الصعب أحياناً الاستخفاف بقارئ هذا الشكل تحديداً، لأنّ سمة التفاعل قد ألغت كلّ الحواجز بين طرفي العملية التواصلية، وأصبح بإمكان الروائي أن يتعرف على آرائه حول ما يكتب مباشرة بعد نشر العمل بحسب طريقة النشر الإلكترونية التي اختارها.
ذو صلة