مجلة شهرية - العدد (592)  | يناير 2026 م- رجب 1447 هـ

موت المؤلف.. من سلطة الكاتب إلى فاعلية القارئ

تُعد مقولة (موت المؤلف) أحد أبرز التحولات في الفكر الغربي خلال القرن العشرين، خصوصاً في علاقته باللغة والنص والمعنى. صاغ رولان بارت هذه الفكرة عام 1967 في سياق فلسفي أوسع بدأ مع نيتشه واستُكمل في أعمال ميشيل فوكو، ولاسيما في كتابه الكلمات والأشياء حين أعلن (موت الإنسان). كان ذلك إعلاناً عن قطيعة إبستمولوجية مع المركزية الإنسانية التي سادت الحداثة، وبداية نقد شامل لمفاهيم الذات والسلطة والكتابة.
في هذا الإطار، لا يشير (موت المؤلف) إلى نفي وجود الكاتب بقدر ما يمثل تفكيكاً لسلطته بوصفه المصدر الوحيد للمعنى. فبارت يرى أن المعنى لا ينبع من نية المؤلف أو سيرته، وإنما يتشكل داخل النص ذاته ومن خلال التفاعل الذي يقيمه القارئ معه. عند قراءة أي نص أدبي، لا يُطلب من القارئ البحث عن نوايا الكاتب، وإنما الإنصات إلى ما تقوله الكلمات في استقلالها عن صاحبها. فالنص، في نظر بارت، لا يُكتب ليُفسَّر، إنما ليُقرأ. والقراءة ليست استهلاكاً لمعنى جاهز، وإنما فعل خلاق يعيد إنتاج المعنى باستمرار. وهكذا، يتراجع المؤلف ليولد القارئ بوصفه فاعلاً في إنتاج الدلالة.
أما ميشيل فوكو فيتناول القضية من زاوية مختلفة. في محاضرته الشهيرة ما المؤلف؟، لا يسأل عن اختفاء الكاتب، وإنما عن وظيفته داخل النظام المعرفي. لا ينفي فوكو وجود المؤلف، لكنه يضعه بين قوسين، مستعيراً مفهوم (الإيقاف الظاهراتي) من هوسرل لتحليل الطريقة التي يُنتج بها الخطاب صفة المؤلف كآلية تنظيمية. فالمؤلف، في نظره، ليس فرداً مبدعاً فقط، وإنما وظيفة تحدد ما يُعدّ نصاً وما يُقصى خارجه، وما يُعد شرعياً في الكتابة وما يُعدّ تجاوزاً لها.
ويُميز فوكو بين (المؤلف) و(مؤسس الخطاب). فالأول يكتب نصوصاً منتهية، في حين يفتح الثاني أفقاً معرفياً يسمح بظهور أنساق فكرية لاحقة. فماركس وفرويد، مثلاً، لم يكتبا نصوصاً فحسب، وإنما أوجدا إمكانيات خطابية جديدة شكّلت مسارات فكرية متواصلة. من هنا يصبح بعض الكتّاب عناصر تأسيس داخل حقول المعرفة، إذ تتجاوز تأثيراتهم حدود نصوصهم الأصلية.
ويثير هذا الطرح سؤالاً فلسفياً مهماً: كيف يمكن التوفيق بين تقويض فاعلية الإنسان، كما في فكر فوكو وبارت، وبين التزامهما السياسي والنقدي؟ أشار لويس ألتوسير إلى هذا التوتر حين وصف هذه النزعة بأنها (نظرية معادية للإنسانية). يبدو أن محو الذات الفاعلة يتعارض مع الرغبة في التغيير الاجتماعي أو مقاومة السلطة. غير أن فوكو لا يسعى إلى إلغاء الذات، وإنما إلى مساءلتها بوصفها منتجاً تاريخياً خاضعاً لشروط الخطاب والمعرفة. ومن ثمّ فإن نقد المؤلف ليس إنكاراً للإبداع، وإنما تفكيكاً للسلطة التي تمنح المؤلف موقعاً مركزياً مطلقاً.
وتتجلى ملامح هذا التفكيك أيضاً في فكر جاك دريدا، الذي يرى أن النص لا يوجد فعلياً إلا في لحظة قراءته. فالعلامات لا تمتلك معناها مسبقاً، وإنما تُفعَّل داخل سياق تأويلي يمنحها الحياة. الكتاب المغلق لا يحمل نصاً حيّاً، والنص لا يتحقق إلا حين يُقرأ ويُفسَّر. وهكذا، تتحول العلامة إلى علاقة ديناميكية تتشكل من خلال الفعل التأويلي. في هذا التصور، يصبح القارئ هو من يمنح النص وجوده، بينما يُعاد النظر في دور المؤلف بوصفه مفسراً أول لا يملك سلطة نهائية على الدلالة.
بلغت هذه الرؤية ذروتها في كتاب بارت لذة النص، حيث تجاوز التحليل البنيوي للغة إلى مقاربة الكتابة كخبرة جسدية وحسية. فهناك نصوص (قابلة للقراءة) تقدم متعة مألوفة ومريحة، وأخرى (كتّابية) تزعزع القارئ وتدخله في توتر لغوي وجسدي يولّد لذة تتقاطع مع الألم والاكتشاف والرغبة. في هذا المستوى، تتحول الكتابة من وسيلة تواصل إلى تجربة حية تضع القارئ في مركز الفعل الإبداعي، فلا يعود متلقياً سلبياً بل شريكاً في إنتاج المتعة والمعنى.
ومع ذلك، لا يعني (موت المؤلف) انفتاح التأويل على الفوضى أو الاعتباط. فبارت لا يدعو إلى إلغاء المعايير التأويلية، وإنما إلى إعادة توزيعها. فالنص يتيح إمكانيات متعددة للقراءة، إلا أنه يظل يوجّهها من خلال بنيته الداخلية وإشاراته اللغوية. القراءة إذن ليست فعلاً حراً تماماً، بل فعلاً مشروطاً بالنص نفسه. وما يُنتج عبرها هو معنى مؤقت قابل للتحول، لا جوهر ثابت مغلق. بهذه الرؤية يتحرر النص من سلطة الفرد المؤلف، وتُعاد الدلالة إلى فضاء مشترك بين النص والقارئ.
إن مقولة (موت المؤلف) لا تعلن نهاية الكتابة، وإنما تؤسس لعلاقة جديدة معها. فالنص لم يعد يُختزل في نوايا كاتبه، بل أصبح فضاءً تأويلياً مفتوحاً يشارك القارئ في بنائه. ومن خلال هذا التحول، ينتقل المعنى من سلطة مركزية إلى إمكانيات متعددة، ويتحول الخطاب من صوت واحد إلى تعدد أصوات. فالمؤلف لم يُمحَ تماماً، إنما أُعيد موضعه ضمن شبكة من العلاقات التي تجعل من القارئ مبدعاً جديداً في كل قراءة.
وهكذا، يفتح (موت المؤلف) الباب أمام فهم أكثر حرية للنصوص، حيث تتحول القراءة إلى ممارسة إبداعية لا تقل شأناً عن الكتابة. فالمعنى لم يعد ملكية خاصة، وإنما عملية مستمرة تتجدد في كل لقاء بين النص والقارئ. لقد تحرر النص من قيوده القديمة، ووجد حياة جديدة في التجربة القرائية التي تمنحه وجوده الحقيقي.
ذو صلة