مجلة شهرية - العدد (592)  | يناير 2026 م- رجب 1447 هـ

في التحولات النقدية بين التطور والاستقرار

سيظل النقاد، رغم اختلافهم المعرفي وتحزبهم النقدي في المجتمعات والرؤى التي ينتمون إليها، يتحولون باستمرار من مدرسة نقدية إلى أخرى، ويجرّبون المناهج النقدية المختلفة، ويتطورون كما يتطور النص. ولو تتبعنا النقد في العصر الحديث، لألفينا أننا في الوطن العربي ننتمي في فترة زمنية متقدمة إلى رؤى النقاد العرب القدامى، وانتقلنا -بعدها- إلى النقد الكلاسيكي، سواء العربي أو الغربي، وتأثر آخرون بالنقد في ضوء المذهب الرومانسي، وتلا ذلك النقاد الجدد، وتطورت المذاهب النقدية أو الأدبية حتى وصلنا إلى المناهج السياقية التي استهدفت المؤلف، ومن ثم المناهج النصيّة التي عالجت النص الذي قدّمه المؤلف برؤى بنيوية وتفكيكية، وتطورت -بعد ذلك- إلى إشراك القارئ في رؤية المؤلف، وتعدد القراءات النقدية، ومدارس التلقي. ورغم ما تحمله هذه المناهج الحداثية، وما أحدثته في العالم الغربي، وما تركته من ظلال انقسامات وفوضى في الوطن العربي وغيره من بلاد العالم، استُحدثت مناهج نقدية أُطْلِقَ عليها (مناهج ما بعد الحداثة) أو (ما بعد الاستعمار)، حيث ناقشت المناهج النقدية النصوص في جوانب الهوية، والنقد النسوي، ونقد الإعاقة، والنقد البيئي، والنقد الثقافي.
هذا التنازع في الرؤى النقدية والمناهج المتعددة حقٌ مشروع حينما ننظر إلى اختلاف المشارب وتنوع المرجعيات الثقافية التي تحرّك النقد باتجاهاتها المتباينة، واختلاف البشرية في النقد يتوافق مع اختلافهم حول نصوصهم الثقافية والأدبية، ولكلٍّ وجهته في تبني ما يريده من رؤية نقدية يؤمن بها، وتخدم فلسفته ورؤيته في النظر إلى النصوص التي تناسب ثقافته، ولا ضير في هذا الاختلاف النقدي والتوجه الذوقي.
ولكن يتجلى الإشكال في مُصَادَرة الرؤية النقدية ونفيها، بناءً على المرجعية الثقافية التي تسعى إلى الرؤية الأحادية التي وقفَ عندها هذا الناقد أو تلك الرؤية التي لم تتطور نحو استقبال النصوص وتنوعها واختلاف مداخلها النقدية، وفي العالم العربي الذي وقعَ في هذا المأزق باختلاف الترجمات عن اللغات المتباينة في رحلة العبور الثقافي من العالم الغربي إلى العرب، وباختلاف المرجعيات الثقافية التي يصدرون عنها، وكأننا بإزاء ثابت معرفي مستقر في ذهن (المُصَادِر) يتمركز في رؤية أحادية ثابتة، بينما الواقع العلمي يؤكد دوماً أهمية التطور المعرفي داخل النظرية النقدية الواحدة، وبما أن المنهج النقدي يسعى إلى التطورات المستمرة داخل المنهج بحسب الرؤى والمراجعات المستمرة من قبل النقاد، وعليه ندرك أهمية التطور في بناء المنهج النقدي، وهذا يقودنا إلى سؤال مهم، مفاده: ماذا بعد؟
ولعل السؤال يطرح أهمية الإحساس المشترك بين المناهج النقدية في رؤيتها إلى النصوص، وبما أن النصوص الأدبية هي (الثابت) في تشكيل عملية الذوق الأدبي الذي يخرج به الناقد (أيّاً كان منهجه)، فذلك يجعلنا نبحث عن (المُتَغَيِّر) الذي يدخل منه الناقد إلى إحساسه بالنص الأدبي، وثقافته، ورؤيته في التوغل النقدي، لاكتشاف اللحظة التي يقارب بها الناقدُ رؤيةَ المؤلف. وهذه المقاربة مجرد محاولة نقدية قد يصيب فيها أو يخطئ.
ومن ثم تأتي الرؤى التي تناقش التحولات النقدية بين رؤية داخلية ورؤية خارجية، الرؤى الداخلية التي تعنى بأدوات الناقد في معالجة النص الأدبي، والرؤى الخارجية التي تهتم بالمناقشة السطحية أو العميقة في اختلاف التلقي النقدي، وآليات التطبيق النقدي في تتبع ثغرات الجوانب النظرية أو الجوانب التطبيقية.
وهذا يقودنا إلى معلومة مهمة في الدفاع عن النظرية أو المنهج النقدي في ضوء الإدراك بأن هذه المناهج ليست شيئاً مقدساً، بل هي متطورة باستمرار في عقل الناقد أو المُنظِّر، وفي الدراسات التطبيقية، وفي رؤية المتلقي الناقد أو القارئ الذي يمكن له أن يضيف ما لديه من رؤية نقدية تناسب المدونة الأدبية التي يُحَلِّلُها بناءً على المنهج المتبع.
وهنا يمكن الجمع بين النقد الذوقي والنقد المنهجي للتوفيق بين الغاية والوسيلة في الخروج بفكرة أهمية التحولات النقدية وعدم استقرارها، فعلى سبيل المثال، تتجلى رؤية جيرار جنيت في الخطاب السردي التي تقوم على ركائز (الزمن والصيغة والصوت) وأهمية التطور المستمر منذ زمن النقد الشكلي، ومروراً بإضافات اللسانيين والنقاد الألمان وما استمده (جيرار جينيت) من رؤية تودوروف في تصنيف الخطاب القصصي إلى ثلاث مقولات تعنى بالزمن والصيغة والصوت عبر البحث في العلاقات بين الحكاية والقصة، والحكاية والسرد، والسرد والقصة، ينتهي إلى تقسيم الخطاب إلى ثلاثة أقسام رئيسة تعنى بالزمن والصيغة والصوت. هذا الاستقرار في النظرية لدى (جينيت) في اعتماده على النقاد السابقين، أسهم في ثبات رؤيته النقدية لتأسيس الخطاب، إلا أن هذا الثبات غير محمود في عالم النقد، وهذا الطبيعي في فكرة التحولات وتقبلها، لأننا دائماً في مواجهة المفاهيم التي تتجدد والنظريات النقدية التي ترتقي من بيئة إلى بيئة أخرى بحاجة إلى تقبّل هذه التحولات المستمرة.
ويفترق النقاد العرب حول تقسيم (جينيت)، ومن هؤلاء النقاد عربياً مثلاً: (محمد الخبو)، الذي انتهى إلى تعريف الخطاب بـ(الملفوظ الموسوم بخصائص نصية، ولكنه أيضاً تلفظ وعمل خطابي (acte de discours) منجَز في مقام معين). ويلجأ الخبو إلى دراسة التداولية وإضافة رؤية البعد التداولي في الخطاب السردي الموجود لدى (جينيت)، ويضيف (محمد نجيب العمامي) البعد الحجاجي على خطاب (جينيت) السردي، وهكذا يستمر التحول في التلقي النقدي للرؤى النقدية باستمرار، وليس هذا فحسب، بل نجد (جينيت) يلجأ إلى تطوير داخلي في إحدى مقولات الخطاب السردي بعد عشر سنوات من إطلاق رؤيته الأولى في مقولة (الصوت القصصي) التي بدأها في أوائل السبعينات الميلادية.
وهذا الجزء من الخطاب المتمثل في الصوت القصصي أثار مناقشات حول نظرية (جينيت) النقدية للخطاب، حيث تناولها في كتابه (عودة إلى خطاب الحكاية)، إذ قال: (لعل الصوت هو الفصل الذي أثار المناقشات الأكثر حسماً في نظري، وذلك على الأقل بصدد مقولة (ضمير) الشخص). وباعتقادي أن الخلط الذي وقع في الصوت القصصي وتلقيه يكمن في الذاتية وتنوّعها من خلال المقامات، من حيث: ذاتية الناقل، وذاتية الناقل المشارك، وذاتية المتلقي الناقل، هذا من حيث التلفظ في المقام لدى الراوي (المؤلف)، والراوي المشارك للشخصيات، والمروي له داخل القصة، وهو المتلقي للتلفظ، كما يدل على أهمية ذاتية الصوت وموقعه في العمل القصصي، ولكن قد يكون هناك متلق آخر أراده جينيت، يكمن في المتلقي القارئ، وهو ما أراد إيصاله، حين فرّق بين الضمائر وأثرها في تلقي رسالة الخطاب السردي لدى القارئ. وفي هذا السياق تورد (سيلفي باترون) تقسيم (ستانزال) للمقامات السردية النمطية: المقام السردي بضمير المتكلم والمقام السردي المؤلفي والمقام السردي المجازي، كما أنها ذكرت تجويد جنيت لمفهوم المقام السردي بتأثير من المنظر الألماني ستانزال، فأصبح عنده جماع السرد.
هذا مجرد مثال على فكرة التحولات النقدية والاختلافات بين النقاد في التلقي النقدي من وجهة نظر علمية. حريٌّ بأن يكون مثالاً واضحاً لأهمية الاختلافات الطبيعية في النقد. وعلى هذا يمكن التحدث في المناهج النقدية وتحولاتها المستمرة على أساس علمي يفيدها من وجهة نظر الرؤى النقدية التي تقارب النصوص في ضوء الذوق الأدبي والتوسط في الرؤية النقدية، كي لا يكون الإسقاط الخارج عن النص خارجاً عن حدود الذوق ونسبيته التي هي موضوع الاختلاف في التلقي.
ولعل الاختلاف في التلقي والنسبية في التطابق يصطدم بالثابت والمتغير في الذهنية النقدية، وهذا تبرزه المداخلات المستمرة والتعليقات المغذّية لكل منهج نقدي، وقد يتحول المتلقي من مختلف إلى متفق، أو يتحول الناقد من باثّ إلى متلقٍ، وهكذا تستمر التحولات النقدية في التطور المنشود الذي يخدم تجويد آليات المنهج والنظرية، ولا يؤمن بالثبات والاستقرار على رؤية أحادية قد تعيق مسيرة الرؤى النقدية أو النظريات التي يمكن لها أن تكون ذات شأن في خدمة الأدب والثقافة التي تشترك فيها الإنسانية على مستوى الأدوات النقدية، وتختلف باختلاف المدونات الأدبية والثقافة التي تخص كل حضارة وكل بلد، ولكل بلد خصوصية معينة، وإن بدت الخصوصيات تتلاشى في زمن يجمع بين الشرق والغرب، وبين الشمال والجنوب.
ذو صلة