أفراح مبارك الصباح: الشعر مرآة لشخصية الشاعر النفسية والاجتماعية
حوار/ هشام أزكيض: الإمارات
رغم أن الشاعرة الكويتية أفراح مبارك عبدالله الجابر الصباح خريجة جامعة الكويت، قسم العلوم تخصص رياضيات، إلا أن ميولها للإبداع الأدبي قادها إلى الخوض في كل ما يتعلق بالشعر والرواية والقصة القصيرة وأدب الطفل، فانتمت إلى رابطة الأدباء الكويتية، كما أنها تشغل راعية لبرامج دار الآثار الإسلامية، ومؤسسة نادي بيجونڤيليا الأدبي للقراءة. ومن إصداراتها الشعرية (عويل لصمت لا يسمع) و(صندوق) و(شغف أزرق).
وجدت في مرحلة انفتاحك على الثقافة والأدب مكتبة عظيمة تعود إلى أبيك، فهل لهذا الأمر تأثير في بناء شخصيتك الثقافية والإبداعية وتنميتها؟
- مكتبة والدي كانت لها الأهمية الكبرى في إثراء ذاكرتي المعرفية والأدبية، فمكتبته العامرة بشتى الدوريات الأدبية والعلمية؛ من تاج العروس، واللطائف المصورة، ومجلة العربي، ودواوين شعرية، والسير الذاتية، ومجلة (ناشونال جيوغرافيك)، إلى أماسي جميلة نناقش فيها هذه الكتب والأمور بالشأن المحلي والعالمي، كنت الرفيقة والصديقة قبل أن أكون الابنة، كان يشغل بالي طريقته في التفكير والتحليل وتوصيل المعلومة بطريقة مبسطة ولكن عميقة يطرح السؤال ويبادر عقلي بالتفكير والبحث، كان رجلاً عظيماً.
تخليت عن مجال تخصصك المتعلق بالرياضيات والحساب، واخترت الميل والغوص في دروب الإبداع والأدب، فما المبررات التي قادتك إلى هذا التحول؟
- أولاً: لمْ أتخلَ عن الرياضيات في مسيرتي الشعرية بل ساعدتني كثيراً بالبحث والتحليل وبناء القصيدة بحسٍّ منطقي مكثف، فالرياضيات بأرقامها وخطوطها ورموزها أضفت القيد الفكري المعقول لصياغة قصائدي، والتفكير العميق العملي كان وراء هذا النهم المعرفي. دراسة الرياضيات أضفت لدي عامل التحدي ومقاومة اليأس المؤقت الذي يصيب معظم دارسيها، فهي ككتابة قصيدة، إنعاش فكرة وإضفاء روح لعدم متذبذب.
ثانياً: حبي للأدب منذ صغري ومازال، فأنا نهمة بالقراءة وأتابع المشهد الثقافي عن قرب. أحياناً نحتاج أن نمزج ما تعلمناه بهوايتنا حتى نثبت أن العلم والأدب يتقاطعان في الكثير من النقاط. الرياضيات ضفتان شرستان للأدب بينما الأدب نهرٌ ناعم بينهما. فهما يكملان الآخر كما قال بونتاليس لظاهرة التعبير: (الذات الناطقة هي الذات الكلية)، فأنا أريد أن يكتمل المشهد في نفسي.
ما أبرز الكتابات الأدبية التي كان لها تأثير جلي على مسارك الإبداعي والأدبي خلال النصف الثاني من القرن الماضي؟
- ميلان كونديرا، هاروكي موراكامي، إيزابيل الليندي، حسن أوريد، محمد بنيس، محمد شمس الدين، إنصاف الأعور وجويس منصور، إسماعيل فهد، ليلى العثمان والعديد من الأدباء الذين عبروا ذاكرتي وأقاموا فيها وكان لهم المستقر.
هل مازلت تؤمنين أن الشعر بوابة لاستعادة ماضيك غير المنفصل عن أجدادك وخصوصياته؟
- الشعر هو تأريخ وجداني لذكريات الشاعر، أحياناً تجدني أكتب الماضي، اللحظة والمستقبل. أستشرف الماضي بحكاياته الكلية، فالذكريات هي سلوى الشاعر ووقوده المتقد، الوفاء للأمكنة والإخلاص لها من أعظم شيم الشاعر باعتقادي، أيضاً كتابة اللحظة هي الصعبة برأيي لأنها لم تتخمر في الذاكرة الجديدة التي تتحول بعد عدة سنوات إلى ذاكرة قديمة، المستقبل نكتبه بتوقعاتنا المبنية على حدس الموقف وخبرة الحدث، أنا أكتب لكي أؤنسن اللحظة الغائبة التي أتوق إليها خصوصاً.
اهتمامك بأسئلة التنمية الثقافية بالكويت جعلك تفكرين في خلق مؤسسات تشرف على ذلك، فما أبرز تلك المؤسسات وأهدافها؟
- المؤسسات الثقافية التي ترعى تكوين الإنسان ثقافياً موجودة ولله الحمد في دولة الكويت، فالمراكز الشبابية وجمعيات النفع العام والمنظومة التعليمية كفيلة أن تقوم بدورها ثقافياً وأدبياً، ما أحوجنا الآن إلى وضع خطط جادة فعالة تنهض بالمستوى الثقافي والمعرفي ولا يكفي وضع الخطط بل مراقبة وتقييم أدائها من قبل الدولة.
هل أسهمت ترجمة ديوانك (شغف أزرق) إلى الإنجليزية، في تعرف القارئ الأجنبي على إبداعك وقضاياه؟
- إلى حد كبير نعم.. القارئ الأجنبي يريد أن يسمعنا ويقرأ لنا. يريد أن يعرف بماذا يفكر العرب والمثقفون. ماهي آمالهم، تطلعاتهم، معاناتهم. أعتقد أنهم اكتفوا أو عرفوا الكلاسيكيات العربية الأدبية ولكن النفس والروح الحداثية مطلوبة الآن حتى يفهمنا الآخر ونفهم نحن الآخر. أتمنى أن تكون هناك ندوات ثقافية سواء كانت شعرية أم فنية يشارك فيها الغرب والشرق حتى يتم إذابة جليد الجهل والفهم الخطأ.
بحكم كونك شاعرة وعازفة على آلة القانون والعود، كيف جمعت بين هذين النمطين الإبداعيين؟
- أحب الآلات الوترية جداً، فالوتر أعتبره شريان القلب، فما يعزف على الوتر ينزف من شريان القلب. الآلات الوترية لها وقع خاص وفريد على الأذن، فمن الجواب إلى القرار اللذين يصنعان إيقاعاً متفرداً، أيضاً الوتر باهتزازه يخلق حديثاً بين اثنين أو أكثر، أليس البيانو (وهي أول آلة أعزف عليها) من أوتار يتم الطرق على أوتاره المشدودة، وكيف أبهرنا الموسيقار شوبان بروائعه عبر آلة البيانو وحدها، كما أن الأذن الموسيقية مطلوبة في كتابة القصيدة (بالرنين نسمع القصيدة، بالترددات نقولها، فتصبح ملكنا) كما قال غاستون باشلار، فالموسيقى واللغة رنين ومداهما طزاجة الخيال، إنني أؤمن بالحرية المنطلقة الفنية. فالشعر والموسيقى يحملونني بأجنحتهم إلى أبعد مدى.
هل الموسيقى تتقاطع مع الشعر بنظرك؟
- أرى أن الشعر -الفن عموماً- والعلوم الطبيعية يتقاطعان في العديد من النقاط ويرتكزان على الكثير من الزوايا، خذ مثلاً: تستطيع أن تستشف من قصائد الشاعر شخصيته وسماته النفسية (علم النفس)، الحالة العامة التي كان يعيش فيها المجتمع (علم الأنثروبولوجيا، الاقتصاد..)، تأمله في الطبيعة والسبر في أغوار خفاياها (الأحياء، الفلك، علوم الأرض..) وهو الباحث في أمور دينه لأنه أقرب ما يكون إلى الطبيعة وقس على ذلك، لذا أرى أن الشاعر شخصيته متكاملة معرفياً، بل إنه أبعد من ذلك. لقد ارتقى من الأحاسيس الأرضية المادية إلى مكامن شعورية سماوية.
كيف تنظرين إلى ما يحدث على الساحة الثقافية والإبداعية بسبب الذكاء الاصطناعي؟
- الذكاء الاصطناعي ليس إلا آلة حسابية يمتلك قدرة هائلة على الأمور التقنية وليست الفنية، فهو يفتقر إلى التجربة الفنية والوعي الحسي، أنت تستطيع أن تكتب رواية بفضل (تشات جي بي تي) ولكن إحساسك وروحك غائبان عنها، فالشكلي غير الحسي والتركيبة الإنسانية التي بنيت من خبرة، خيبة، شجن، فقد وذكريات هي مفقودة في نصوصها، السؤال هنا: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي استنطاق المشاعر المدفونة والمعتقة؟