علي جعفر العلاق: الشعر العربي يشهد نهوضاً مثيراً للجدل
حوار/ سامر أنور الشمالي: سوريا
الأديب والشاعر العراقي (علي جعفر العلاق)، كتب سيرته الذاتية تحت عنوان (إلى أين أيتها القصيدة؟)، وهو كتاب فريد في موضوعه، نال عنه جائزة الشيخ زايد للكتاب، فرع الأدب 2023. وقد طرحنا أسئلتنا حول هذه السيرة المكتوبة، وأيضاً عن تجربة مؤلفها الشعرية والنقدية. والحوار مع (العلاق) يتطلب الكثير من الصبر والدقة؛ لأن الشاعر يتعامل مع الأسئلة بالكثير من الجدية، ولا يجد الحوار مجرد مادة صحفية عابرة. ويلمس القارئ تلك الجدية لدى قراءة الأجوبة التي تتميز بالبعد المعرفي، والعمق الفكري.
سؤالنا الأول يتعلق بالعتبة الأولى للعمل (إلى أين أيتها القصيدة؟)؛ هل السؤال موجهٌ للقارئ كي يكتشف الجواب بنفسه؟ أم هو سؤال مفتوح تطرحه على نفسك من وقت لآخر؟
- عنوان سيرتي سؤال شديد الدلالة على ما تشتمل عليه من مكونات دلالية وثقافية وجمالية. بل يبدو كأنه مشادة يتعالى فيها صوت السارد إزاء القصيدة، وهي تطوف به في فضاءات شتى، وفي أمكنة وأزمنة متشظية: روحية وأسلوبية، شعرية وثقافية، فردية وعامة، عراقية وعربية.
ويتضح من ذلك أن هذا السؤال، مفتوح مثل جرح يتعصى على الاندمال، موجّهٌ، ضمناً وبالنتيجة، إلى القارئ كي يشاطرني ما أنا فيه. ومن جهة أخرى، وبمباشرة صادمة، هو سؤال يخترق الذات والوجود والقصيدة، عن البدء الكارثي للوجود، وعن تفتح الوجع اليومي للفرد، وعن النهايات المفتوحة.
لماذا كتبت سيرتك الذاتية؟ ألا تكفيك القصيدة لكتابة هذه السيرة؟
- بما يتعلق بدوافع القول الشعري، يظل الشاعر طوال حياته يحاول التعبير عن صرخته الأولى، وهو يستقبل الأرض بجسده العاري، غير أن قصيدته لا تتسع وحدها لتلك الصرخة رغم براءتها، فكيف به وهو يرى الكون من حوله محتشداً بصراخ المقهورين أو الحالمين أو الباحثين عن النجاة دون جدوى. ليس أمامه إذاً، إلا أن يلوذ، أو يطلب العون من جنس أدبي آخر للتعبير عن منسوب القلق أو العذاب الذي يعصف بكيانه كل يوم.
بدأت مذكراتك منذ الطفولة، فهل الذكريات فقط هي ما بقي من تلك المرحلة؟ أم أن الشاعر لا يفقد طفولته مع تقدم العمر؟
- تزداد ذكريات الشاعر، مع العمر، قيمة وتوهجاً، وبذلك فهي تشكل الجزء المهم من حطب السيرة الذاتية عادة، لكن الذكريات وحدها لا تكفي، لا بد من مخيلة نشطة، ولغة عالية الكفاءة، وقدرة على المزاوجة الحية بين سرد الأحداث ووصف الأمكنة والهيئات والشخصيات ولحظات الانفعال. ولا بد للكاتب من ذاكرة انفعالية ومخيلة مؤثرة، تستعيدان أحداث الماضي بطريقة فيها الكثير من الدفء والحلم والخلق الجديد.
لست شاعراً فحسب، بل أنت ناقد أيضاً؛ هل الشاعر الذي يكتب النقد يفقد عفوية القصيدة وبراءتها، أو أنه يكتب الشعر بطريقة أفضل؟
- سؤال غاية في الأهمية، الأمر يتوقف على موهبة الشاعر نفسه، ودرجة إيمانه بتلك الموهبة. كثير من النقاد بدؤوا شعراء ثم انتهوا نقاداً، إما لأن تخصصهم أذبل لغتهم الشعرية فصار ما يكتبونه كشعر الفقهاء والنحويين، ومنهم من انطفأ تماماً فكف عن كتابة الشعر. وقد يكمن الخلل في ضعف الموهبة الشعرية لديهم منذ خطواتهم الأولى. وأنا مع الشطر الثاني من سؤالك إلى حد كبير، فالمعرفة النقدية وممارسة التحليل النقدي للنصوص يعين الشاعر الناقد، في أحيان كثيرة، على الكتابة بمستوى شعري أفضل.
لديك عناية خاصة بالصورة المدهشة والغريبة، ولكن إلى أي درجة تكون الصورة المتخيلة البصرية ضرورية في القصيدة المكتوبة بالكلمات؟
- مذ كتب أول إنسان قصيدته الأولى، بدافع الخوف أو بدافع المحبة؛ كان الشعر لغة، وإن كانت معززة، غالباً، بما للجسد البشري من طاقات تعبيرية. وكان الشاعر يستعين بالصورة للارتقاء باللغة الشعرية إلى مستوى تخيلي أكثر إثارة، ولجعل الدلالة أشد عمقاً. لذلك تظل القصيدة وهي تعبير لغوي بامتياز، في حاجة إلى تقنيات تعلي من قدرتها على التعبير، ولا شك في أن الصورة الشعرية من أهم هذه التقنيات.
اشتغلت في مجال الصحافة، وعملت رئيس تحرير المجلة العراقية المعروفة (الأقلام)، ولا شك في أنك كنت مؤثراً بشكل مباشر على الحركة الأدبية آنذاك، فما أبرز المحطات أو المشاريع التي تذكرها، أو تفتخر بها حتى اليوم؟
- إن عملي محرراً ثم سكرتير تحرير ثم رئيساً للتحرير، أكثر من عشرين عاماً في مجلة أدبية كالأقلام؛ كان فرصة لتكوين صورة جيدة عن المشهد الثقافي أو الأدبي. كان يمر من بين يديّ سيل من النصوص والأصوات الشعرية، المكتملة، أو التي تواصل الصعود بطريقة مبهرة، أو التي تبشر بمستقبل لا تخطئه العين الفاحصة. ويصدق هذا على السرد والنقد بحد سواء. كنا نلتقي أحياناً كتّاباً كالطواويس، ذوات منتفخة تضيق بالرأي المختلف، نقاد يعيشون على كتاب أو كتابين، يعيدون تصفحهما كلما هموا بكتابة مادة جديدة. وكنا نلتقي بالكبار حقاً فنتعلم منهم تحضر السلوك ورفعة الخلق.
ومما أفخر به حقاً، أن فترة رئاستي للتحرير، كانت من الفترات المميزة في تاريخ هذه المجلة، أعني تحديداً فترة الراحل طراد الكبيسي، وبعض الفترات القليلة التي تلتها، من حيث انفتاحها على المستوى العربي، أو مستوى ما ينشر فيها، وعدم الاعتماد على البريد، أو البعد عن الشلليات التي كانت واضحة في فترات معروفة من تاريخ المجلة.
وما يمكنني الفخر به أيضاً أنني، وبمعاونة زملائي في المجلة، سعيت إلى توسيع الهامش من المرونة ليكون متناً، فصارت المجلة، بسبب أعدادها الخاصة وملفاتها المميزة، منبراً للكبار من الكتاب والشعراء العراقيين والعرب، بعد أن كان بعضهم إما مبعداً عن المجلة أو عازفاً عن الكتابة فيها. وقد جر عليّ ذلك بعض كتبة التقارير الكيدية الذين اتهموني بأنني فتحت باب المجلة للكتاب العرب المعروفين بعدائهم للحزب والثورة! ويقصدون تحديداً أدونيس وكمال أبو ديب. وهذا ما تحدثت عنه ببراهين صادمة في سيرتي الذاتية، في فصل بعنوان: الأقلام وأدونيس والوشاية.
أنت من جيل الستينات، ونشطت في الحركة الأدبية في السبعينات، أي زمن انتشار الأيديولوجيات، ولكن يبدو أنك بقيت بعيداً عنها؛ فهل كنت وقتها تسكن في البرج العاجي؟ أو أن الشاعر عليه النزول من الأبراج والتسكع في الشوارع؟
- كانت المساحة شديدة الضيق أمام من يسعى إلى أن يظل بمنأى عن صراع تلك الأيديولوجيات، الجو كله ملبد بفحيح سياسي يهرس العظم، قبائل تتقاتل فيما بينها، وكل حزب له حصته من الشعراء، الذين يمجدون فكره ورموزه وأيامه. وكان هناك، في المقابل دائماً، رافعات أيديولوجية لهذا الحزب أو ذاك لتمجيد هذا الشاعر أو ذاك بغض النظر عن حجمه الشعري أو كفاءته الثقافية.
ثم شهدنا مرحلة لاحقة، حسم فيها الصراع لحزب واحد له شعراؤه وأدباؤه المعروفون أو الذين التحقوا بالصفوف المؤيدة طمعاً في مغنم، لكن الاستقلال كان خياراً نسبياً للبعض، ومعدوماً بالنسبة للبعض الآخر، إذ يترتب عليه الكثير من الحرمان أحياناً: من متع العيش أو ترف المكافآت أو فرص الانتشار. ويمكن القول إن أسباب الهلاك وأسباب المنفعة كانت متاحة دائماً وبالتساوي ربما. اخترت الوقوف على مبعدة محسوبة من متطلبات الأيديولوجيا، وحرصت على أن لا تكون قصيدتي معرضة في تلك المزادات والتحشيد المهرجاني، الذي كان يكلف القصيدة في العادة ثمناً باهظاً باعتبارها التعبير الأرقى عن سعادة الإنسان أو شقائه.
كيف ترى واقع الشعر العربي اليوم؟
- الشعر العربي يشهد نهوضاً غير مسبوق على مستوى القصيدة، في العراق وفي الأقطار العربية الأخرى، لكنه نهوض مثير للجدل أحياناً، فطغيان النصوص النثرية من جهة، والعودة إلى القصيدة الكلاسيكية من جهة أخرى؛ ظاهرتان بارزتان جداً، وإن أسفر ذلك عن أسماء شعرية مهمة. وربما يتجلى هذا النهوض وبشكل واضح جداً، ويتجلى ذلك في المهرجانات وفي المسابقات الشعرية أيضاً بحكم كوني عضواً في بعض لجانها التحكيمية. ما يغيب تدريجياً، بل يكاد يتلاشى، هو شعر الإيقاع، أو قصيدة التفعيلة، بعبارة أكثر وضوحاً. وثمة ملاحظة شديدة الوضوح، أن أكثر الشعراء العرب حيوية اليوم هم شعراء الأجيال السابقة.
هل لا يزال الشعر يتميز بحضوره البهي، أم أن الرواية اختطفت قرّاءه؟
- كلاهما حاضر في المشهد الثقافي العربي، غير أن الرواية أوسع انتشاراً، وهذا ليس غريباً، فهي القادرة دائماً على التسلل إلى أكثر الأزقة ظلمة واكتظاظاً بالخفي والمبتذل والمسكوت عنه، في النفس وفي حياة البشر.
أما الشعر فله امتياز آخر يقع في فضاء قد يكون مختلفاً، هو سيد اللغات وأكثرها رفعة وأناقة، وإيجازاً في التعبير عن هموم النفس البشرية، وأحلام المقهورين والمشرفين على اليأس أو النهايات. ويظل الشعر فناً عريقاً، ذا كاريزما مميزة، يضيء الذاكرة ويرقق النفس، ويسمو بقدرتها على الإفصاح إلى ذرى بعيدة. كما أن مجاورة الشعر أو التّماس معه ينعش لغة الرواية ويؤجج ما فيها من طاقات كامنة.
وليس من الحكمة في شيء الادعاء أن أحدهما صالح للحلول بديلاً تعبيرياً عن الآخر، أو مزاحمته على منطقة اشتغاله جمالياً ودلالياً.
أما طغيان الرواية اليوم فلا أظن أن أسبابه إبداعية دائماً، فبعيداً عن كونها فناً له سحره الخاص، قد يكون وراء كتابتها دوافع خاصة: حلم الانتشار، إغراء الشهرة، السعي للحصول على جائزة ما، واستثمار العمل الروائي في أعمال فنية أكثر رواجاً وإثارة للمتعة. ومع أن هيمنة الرواية واقعٌ لا مراء فيه، فإن له وجهه الآخر، الذي قد يصلح برهاناً على ما في حياتنا من مجافاة للقراءة الجادة لما تتطلبه من قدرات أو اشتراطات لتلقي ما فيها من حمولات دلالية وإيحائية.