مجلة شهرية - العدد (593)  | فبراير 2026 م- شعبان 1447 هـ

ماريلين بوردين: كل لوحة هي قصة جديدة ورحلة بين الحلم والواقع

حوار/ ضحى عبدالرؤوف المل: لبنان


عندما يتلاقى الفن مع الأعماق الإنسانية، يصبح التعبير عن الذات أكثر من مجرد لون أو خط أو صورة، إنه رحلة متجددة في أعماق الروح والجسد. لذا وجدت نفسي أمام فنانة استثنائية استطاعت أن تخلق عالماً فنياً يعبر عن مفارقات الواقع والحلم، إذ تعيد الفنانة الفرنسية (ماريلين بوردين) (Maryline Bourdin) صياغة المفاهيم العميقة للوجود. في هذا الحوار، نغوص في عالم ماريلين التي قدمت أعمالها لتكون بمثابة وسيلة للتواصل مع أعماق الذات الإنسانية، ولتفكيك الأبعاد المعقدة للعلاقة بين الجسد والعقل، الروح والعالم الخارجي.
تنتمي هذه الفنانة إلى جيل من المبدعين الذين يرفضون حصر فنهم في إطار تقليدي أو نمطي، بل يفتحون أبواباً جديدة لفهم الفن وأثره في الحياة اليومية، حيث تتشابك في لوحاتها العوالم الكونية والبيولوجية، ويمتزج فيها الحلم بالواقع في محاولة لاستكشاف أعمق مسارات الفكر الإنساني. الفن بالنسبة لها ليس مجرد أداة للتعبير، بل هو رحلة ذهنية وروحية، تسعى من خلالها إلى اكتشاف الذات والتواصل مع المجهول.
أما عن العلاقة بين الجسد والعالم، فلا يبدو أن الفنانة ترى الجسد مجرد جزء من الواقع الفيزيائي، بل هو بمثابة حلقة وصل بين الوجود الحسي والروحي، بين العقل المبدع والعالم المادي. تعكس أعمالها تجسيداً لهذا التفاعل العميق بين الجسد والروح، حيث يتداخل كل منهما مع الآخر في تسلسل حيوي يعكس علاقة الإنسان بالكون. ومع كل ذلك، نجد أن هذه المقابلة تتجاوز كونها مجرد حوار مع فنانة، فهي دعوة للتأمل في مفاهيم الحياة والفن والوجود. ومن خلال استكشاف هذه الأفكار العميقة، نكون أمام فرصة نادرة لفهم عالم فني يمزج بين الواقع والحلم، بين الجسد والروح، وبين الفن والوجود. ماريلين بوردين من خلال عملها الذي يتحدى الحدود ويغذي الأسئلة العميقة في النفس البشرية، تقدم لنا أكثر من مجرد مشهد فني، بل تجربة روحية وفكرية تجمع بين العاطفة والفلسفة، بين الشعور والتفسير. في هذا الحوار، ننتقل من سطح الصورة إلى أعماق المعنى، ونغوص في تفسير الفن كرحلة داخلية نحو الذات، وهو ما يقدمه هذا اللقاء الذي نتمنى أن يكون نافذة جديدة لرؤية عالم الفن بطريقة مختلفة وأكثر عمقاً.
تبدو لوحة ( الجسد النائم)  جسراً نحو فضاء كوني، هل أردتِ تقديم الحلم كمنطقة عبور بين الداخل والخارج؟
- الحلم هو منطقة عبور، لكنه أيضاً مدخل إلى أعماق الذات، وأيضاً إلى ما لا نتحكم فيه في هذا المكان السري، مثل الكون.
ما الفكرة الأولى التي قادتك إلى إنشاء هذه اللوحة؟ وهل بدأتِ من صورة معينة أم من إحساس داخلي؟
- إنها لوحة فريدة جداً في مسيرتي الفنية، هي بمثابة نافذة بين العالم الواقعي والعالم الحلمي، تستند إلى تجارب حسية شخصية، وإلى غنى الأحلام وأهمية ما أخصصه لها، فهي لحظة بين عالمين، هي في الوقت نفسه صورة دقيقة للحظة تداخل فيها الجسد المتروك للنوم ضمن رؤية صافية.
هل هناك تجربة شخصية أو ذكرى معينة كانت الشرارة وراء هذه اللوحة؟
- نعم، لكنني حريصة جداً وأحرص على احترام وجود الأغطية التي تحمي الحقائق التي لا تريد أن تكون واضحة، إنه عالمي السري.
هل تعدّين الألوان رمزية (روحية، وجودية) أم أنها تأتي إليكِ أولاً كحالة عاطفية؟
- لم أفكر بالألوان بشكل محدد، هي تفرض نفسها بشكل غير واعٍ، رغم أنني أحياناً أتراجع لأتفحصها من زاوية جمالية، وبشكل متماسك مع فكرة الجمال العام للوحة لكي أجعلها جميلة.
تشبه الخطوط البارزة والمنحنية المدارات أو الخيوط الجينية، هل أردتِ مزج الكوني والبيولوجي؟
- أنا أحب التموجات كثيراً، وألاحظ أنها موضوع متكرر في أعمالي، هناك نوع من الاستدارة التي أجدها ناعمة، ولكن أيضاً هناك انغلاق مع الاستمرار في الانفتاح، أعتقد أن هذه هي حالة الإنسان بالنسبة لي.
بعض الخطوط تثير الموسيقى أو الاهتزازات، هل ترين علاقة بين عملكِ الفني والإيقاع الموسيقي؟
- الموسيقى هي أيضاً موضوع أحبّه بشكل خاص، من الممكن أن تكون هذه اللوحة مستوحاة من أصوات موسيقية لم أكن واعية لها، الموسيقى بالنسبة لي هي نوع من الشعر بمعناه الواسع، أحب كل أشكال الشعر التي تمكنني من الهروب من الواقع، عندما لا يكون هذا الواقع على مستوى المثالية التي أختلقها لأقترب بأقصى ما يمكن من كل السعادة.
كيف تفسرين العلاقة بين الجسد والكون في اللوحة.. هل هو جزء صغير من نظام أكبر، أم هو مركز تدور حوله المدارات؟
- الحدود بين الجسد والكون معقدة، عندما أطفو في عالم الأحلام لا أفكر في ذلك، وعندما أكون في الواقع الكبير أجد أن الجسد مفصول عن البقية، ولكن هناك هذا (الزمن بين)، كما في هذه اللحظة، حيث تذوب الحدود بين الحلم والواقع قليلاً، ربما تكون هذه هي اللحظات التي تصبح فيها لوحاتي أكثر غموضاً؟
ما دور اللاوعي والحلم في تجربتكِ الفنية بشكل عام؟
- يلعب الحلم دوراً مهيمناً في عملي، كثيراً ما يتفوق على إبداعاتي كما لو أنني مجرد أداة يستخدمها اللاوعي، كثيراً ما تكون المفاجأة بالنسبة لي عند الانتهاء من اللوحة، حيث أكتشف ما تم التعبير عنه دون أن أكون واعية بذلك، لوحاتي أكثر وضوحاً من أفكاري، هي تقدم لي إجابات لا يستطيع وعيي صياغتها بالكلمات.
هل تعدّين الرسم بحثاً عن معنى الخلق والولادة، أم هو رحلة عبر الذاكرة الداخلية؟
- كل لوحة هي قصة جديدة، إنها رحلة بين هنا وهناك، بين الحلم والواقع، بين الماضي والمستقبل، بينكِ وبيني، بين شيء وآخر، أحب أن أعمل على التناقضات والرابط الذي يمكن أن يوحدها، ربما هو محاولة مني لجعل الأشياء تتعايش بشكل متناغم، حتى وإن كانت في البداية تبدو كجزأين مختلفين تماماً.
كيف تعتقدين أن اللوحة تعكس التفاعل بين الروح والجسد؟ هل يوجد توازن بينهما أم أنهما في مواجهة داخل العمل؟
- أجد سؤالكِ مذهلاً، لأنه يعكس في كلمات اتجاهاً أتبعه في عملي، أنا أبحث عن التوازن بين شيئين يمكن أن يتواجها، هذه النقطة التي تثير اهتمامي وتضفي تعقيداً على الأعمال، لكن في الوقت ذاته تجعلها مثيرة للاهتمام، ربما أنا أحاول فك شفرة هذا التوازن وفتح الجسر بين الروح والجسد، أشعر جيداً أنني أضع طاقة كبيرة في كل لوحة من لوحاتي، هذا ليس بالأمر العرضي.
هل تعتقدين أن الفن وسيلة للتواصل مع الآخرين على مستوى عميق، أم هو رحلة فردية تعكس تجاربكِ الشخصية فقط؟
- أعتقد أنه في البداية هو رحلة فردية، نوع من التعبير عن الروح البدائية، ثم في مرحلة لاحقة أضفي عليه التحكم لجعله مرئياً للآخرين، ولإعطائه شكلاً أكثر قبولاً لتفسيرهم، هو أيضاً وسيلة بالنسبة لي لاكتشاف عالمي والتواصل معه، مع الاحتفاظ بأناقة عدم قول كل شيء.

ذو صلة