مجلة شهرية - العدد (571)  | أبريل 2024 م- رمضان 1445 هـ

موقف حرج

جاء القطار المتجه شمالاً يحمل جموعاً غفيرة من البشر، بالكاد نزل من المحطة أربعة ركاب، حاولت الصعود مع كتل اللحم الصاعدة، بالتأكيد لم أنجح في الحصول على مقعد، لا مشكلة حيث إن وجهتي قريبة أربع محطات فقط، بقيت واقفاً، بالجوار تقف بضع فتيات متلاصقات بعضهن ببعض، أحاول الإفساح لهن قدر استطاعتي وسط هذه الجماهير الغفيرة أبحث عن بائع المناديل، العرق بتصبب مثل الفيضان، يبدو أنه ذاب في وسط هذه الجموع، حيث لا مجال للحركة، مفتش القطار يتحرك في وضع جانبي، هذه هي حركته الوحيدة للمرور للتفتيش عن التذاكر، وهو يصدر كلمات كثيرة غير مفهومة، حيث تتلاشى في موجات الصوت الخارجة من الركاب، وسط هذا الزحام تخرج النكات الضاحكة لا أحد يتلفت لآخر، تأتي المحطة التالية ينزل القليل ثم يصعد الكثير، أشعر بالهواء يقل أكثر فأكثر رغم الباب والنوافذ المفتوحة، سيدة مسنة تستعد للقيام وتضع يدها على يدي وتقول: (تعال اجلس مكاني أنا نازلة المحطة القادمة)، ابتسمت لها وسألتها عن حقائبها، أشارت لي إلى أعلى، أحاول أن أزحزح نفسي قليلاً لأكون في وضع استعداد حتى يتسنى لي إنزال أغراضها دون أن أصدم أحداً. استأذنت الفتيات أن يفسحن لي ممراً فقط لأتناول أغراض السيدة العجوز، لم يهتم أحد، المحطة تقترب ولا مجال للتأخير أكثر من ذلك، السيدة تصرخ: افسحوا له الطريق ينزل الحقائب، الوقت راح.
لا مجال قفزت لأعلى المقعد نظرت القطار بزاوية رؤية أفضل شعرت البشر كأنهم قطع من الملوحة المكدسة داخل صفيحة صماء رائحتها نتنة، كل هذه الجموع كانت تثرثر، لا أستطيع تمييز كلمة واحدة، لم أشعر بهم عندما كنت في وسطهم، أمسكت الحقيبة وأشرت إلى العجوز أهي لكِ؟
تبتسم، فأعرف أنها تخصها كانت ثلاث حقائب ثقيلة جداً، وواحدة صغيرة ولكنها أثقلهم، جررتهم بصعوبة بالغة إلى باب العربة، والغريب لم يمد واحد منهم يد العون، رجعت مرة أخرى لأصطحب السيدة العجوز من يديها وتقول: (إياكم والمكان مش مسامحه حد يقعد فيه غير الشاب الطيب ده). وأنا صامت.
توقف القطار أنزلتها أولاً ثم الحقائب مع مجموعة كبيرة قد نزلت معها طلبت من أحدهم أن يحضر لها تاكسي ويساعدها، إيماءة الوجه غير كافية أنا قلق عليها، صعدت بسرعة، كان القطار يتحرك ببطء، ذهبت إلى المقعد وأنا أعرف مقدماً أن المعقد جلس عليه أربعة، وعندما عدت، وجدت المكان قد شُغِل، طلبت في أدب جم أن يتنحى لي فالعجوز أوصت به لي، نظر إليّ الجالس دون أن يتفوه بكلمة واحدة.
كررت الطلب مرة أخرى وجدت الجميلات قد ابتسمن، وأنا صامت، شعرت بالخجل لماذا أطالب بالمقعد والمحطة القادمة هي محطة وصولي؟
سكت وكتفت ذراعي، ولكن يغالبني طبعي أن أطالب بحقي، وقلت له: (للعلم أنا سبتك تقعد عشان أنا نازل المحطة القادمة. على الأقل خلي في وشك دم وأجلس البنات دول).
قام بغضب وقال لي: وأنت غبي، هذا المقعد لي وتذكرته محجوزة من أول محطة القيام وأنا أجلست تلك العجوز رفقة بها، لست وحدك من تقدم المعروف.

ذو صلة