مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

الأدب الرقمي.. تداخل المفاهيم والتعريفات

 يثير حضور الأدب الرقمي حزمة من التساؤلات حول شرعية هذه الممارسة الإبداعية ومدى قيمتها وقدرتها على خلق مساحة أكبر في التفكير والإبداع، وقعت هذه التساؤلات بين قطبي القبول والرفض لهذا الأدب الوليد -شأنُهُ في ذلك شأن كل جديد في المعرفة والفكر- هي تساؤلات فرضها وسيط جديد يحمل تحولاً من مستوى تواصلي إلى مستوى تواصلي آخر، يُعد أكثر انفتاحاً على الخلق والإبداع والتجديد، مستوى يحمل رؤى وأشكالاً تعبيرية جديدة، ويعتمد على وسائل حديثة تتمثل في تقنيات التكنولوجيا، والوسائط الإلكترونية وما يتبع ذلك من انفتاح على تنوعات الثقافات، وتقبل الاختلاف في أساليب التعبير، يحمل هذا الأدب الرقمي نمطاً جديداً في أساليب التفكير تتولد منه رؤى جديدة في إدراك العالم، وبهذا يعبر عن حالة انتقالية لمعنى الوجود ومنطق التفكير. إنه النموذج الذي يعبر عن الأدب والعصر معاً مما يجعل الوقوف عليه والاحتفاء به أمراً لازباً.
الأدب الرقمي
 يرتبط ظهور مفهوم الأدب الرقمي بظهور التقنية الرقمية المعتمدة على مكون ثنائي (1 - 0) عبر وسيط إلكتروني ساعد في الوصول إلى مصطلح الهايبر تكست على يد تيد نيلسون في ستينات القرن الماضي الذي سعى إلى وضع روابط بين النصوص والوثائق. ويُعد هذا المصطلح شبكة مركبة من عدة نصوص، ليست ذات شكل محدد، ويمكن قراءتها بطريقة غير خطية، وغير متسلسلة. تلا ذلك ظهور مفهوم آخر هو الهايبر ميديا الذي يفيد من تكنولوجيا الحاسب الإلكتروني وأي تكنولوجيا أخرى، ويعمل على صنع روابط بين النصوص، والوثائق والرسوم التخطيطية والصوت والصور الفوتوغرافية. ومع ظهور الشبكات العنكبوتية ظهر النص الشبكي السايبر تكست للدلالة على التطبيق السليم للنصوص الرقمية.
 ولا يقصد بالأدب الرقمي النصوص المنتمية للأدب والمعروضة عبر وسيط إلكتروني بصورة لا تختلف عن صورتها الورقية ولا الكتب التي تم تحويلها إلى صيغة PDF والتي يطلق عليها كتب رقمية أو إلكترونية، وإنما هو الأدب الذي يجمع بين الأدبية والتكنولوجيا ولا يمكن تلقيه إلا عبر وسيط إلكتروني من خلال الشاشة الزرقاء المتصلة بشبكة الإنترنت وهذا ما نصت عليه فاطمة البريكي حين عرفته فقالت: إنه الأدب الذي يوظف معطيات التكنولوجيا الحديثة في تقديم جنس أدبي جديد يجمع بين الأدبية والإلكترونية ولا يمكن أن يتأتى لمتلقيه إلا عبر الوسيط الإلكتروني، أي من خلال الشاشة الزرقاء.
ونظراً لاختلاف الترجمات للأدب المنتفع من التقنيات الرقمية ووسيطها التكنولوجي، ظهرت تسميات عدة جاورت مصطلح الأدب الرقمي من أبرزها: الأدب التفاعلي، الإبداع التفاعلي، الأدب الترابطي، الأدب التكنولوجي، الأدب التكنو أدبي، الأدب الإلكتروني. ورغم هذا التعدد الملحوظ في التسميات واختلافها إلا أنها تنطوي جميعها تحت فكرة الأدب الرقمي. وهذا ما نص عليه بعض الدارسين فقال: أكثر المهتمين بالأدب الرقمي يقومون بتصنيف الأعمال في أنواع محددة لكنهم يتفقون على أن هذا المصطلح يمثل مظلة عريضة تندرج تحتها أطياف متمايزة أهمها الأدب التفاعلي، الأدب المترابط، الأدب متعدد الوسائط.
 وعلى الرغم من تداخل هذه المصطلحات وانبثاقها من التقنيات الرقمية ووسيطها التكنولوجي، إلا أنها تحمل فروقاً فيما بينها، فالأدب التفاعلي هو وليد الأدب الرقمي، يقوم على تقنية النص المترابط وهو (نظام يتشكل من مجموعة من النصوص، ومن روابط بينها تتيح للمتلقي أو المستعمل إمكانية الانتقال من نص إلى آخر حسب حاجياته) ولكن لا يكتسب ميزة التفاعلية إلا إذا مُنح المتلقي مساحة تعادل أو تزيد عن مساحة المبدع الأصلي للنص. وبهذا التعريف للأدب التفاعلي فإن عملية التلقي لم تعد قراءة نص فقط، بل هي تفاعل مع ضروب فنية مختلفة من نص وصورة وموسيقى، فضلاً عن الأيقونات والروابط التصفحية، لذا تحيل تفاعلية الأدب إلى إستراتيجيات التلقي والاستجابة الرقمية التي يتفاعل معها القارئ، هذه الاستجابة من المتلقي ليست وليدة هذا الأدب الرقمي، وإنما عملية مقرونة بالأدب منذ ولادته.
 ويتولد من تعريف الأدب التفاعلي مفهوم الروابط، وهي التي تكسب الأدب البعد التفاعلي، ولأهميتها ينسب البعض الأدب إليها، فيقال أدب ترابطي، أو النص المترابط. يتكون النص من مجموعة من العقد أو الشذرات التي يتصل بعضها ببعض بواسطة روابط مرئية وتسمح بالانتقال من معلومة إلى أخرى عن طريق تنشيطها فتتجاوز بواسطتها البعد الخطي للكتابة. تمنح الروابط للنص شرعيته، وللمتلقي خيارات القراءة، وحرية تلقي النص، ويمكن للمتلقي أن يحقق مع كل قراءة نصاً مترابطاً جديداً قد لا يشبه النص السابق. وهنا يدخل فعل التفاعل باعتباره تقنية وظيفية للقراءة.
 تتوزع هذه الروابط بين تفاعلية وغير تفاعلية، وتتوزع الروابط التفاعلية إلى:
- روابط مباشرة، ويقصد بها الروابط التي تتفرع عن نص وتعود إليه.
- روابط متفرعة عن الروابط المباشرة، تهيمن على النص، وتُحدث الحركة فيه بفعل تنشيط الروابط.
أما الروابط غير التفاعلية فينحصر دورها في تقديم خدمة معلوماتية للمتلقي كتوثيق اسم أو شرح لفظ، ولا يشمل هذا النوع من الترميز جملة أو مقطعاً، وإنما كلمة واحدة، وهي روابط ذات اتجاه واحد.
 ولا يقف النص المترابط عند حد الربط بين النصوص المكتوبة بل يشمل الصورة والصوت والحركة منفردة أو متصلة. وكلما كان إمكان الربط بين هذه المكونات جميعها فإننا نتجاوز فكرة النص المترابط، إلى الوسائط المترابطة حيث تغدو كل (عقدة) كيفما كان نوعها مرتبطة بغيرها.
 وتستعمل الوسائط المترابطة المتعددة في المجال السمعي البصري والمعلوميات للدلالة على استعمال الأصوات والصور والخطاطات ومقاطع الموسيقى وتوظيفها جميعاً في آن واحد، ولأهمية هذه الوسائط ودورها التفاعلي في خلق الأدب الرقمي، نُسب إليها فقيل: الأدب المتعدد الوسائط.
 وهكذا نلحظ تناسل هذه المصطلحات وتوالدها بما يكفل للأدب الرقمي التفاعل الذي يتم من خلال الاشتراطات التالية:
- التقديم عبر وسيط إلكتروني يُعد أداة، كما يمثل الفضاء الذي يتحقق فيه الإبداع والتلقي.
- الاعتماد على تقنية الترابط.
- توظيف التقنيات الرقمية والوسائط المتعددة.
- منح المتلقي مساحة تعادل مساحة مبدع النص للمشاركة في التأليف.
 وهكذا نلحظ توالد الأدب الرقمي التفاعلي من خلال التالي:
 - الوسيط التكنولوجي
 - المؤلف الرقمي
 - المتلقي الرقمي
 الوسيط التكنولوجي
 يوفر الوسيط التكنولوجي للأدب التفاعلي:
 - الأداة أو الوسيلة التي ينجز بواسطتها الأدب التفاعلي.
 - الفضاء الذي يتحقق فيه الإبداع والتلقي.
 - اللغة الخاصة التي يتم توظيفها لاستعمال الأداة واستغلال الفضاء.
المؤلف الرقمي
 يَعمد المؤلف الرقمي إلى التأليف بين مجموعة من العلامات والإمكانيات الكثيرة والمتعددة، ويعتمد على مهارات عدة تجمع مهارة الكتابة والتأليف والتخيل، وتكوين علمي تجعله عالما بثقافة المعلوماتية، ولغة البرامج المعلوماتية، والتقنية الرقمية. بهذا المخزون يستثمر المؤلف الرقمي وسائط التكنولوجيا وتقنيات النص المترابط والوسائط المتعددة ليؤلف بين مجموعة من المواد تتمثل في اللغة، الصوت، الصورة، الوثائق، لغة البرامج المعلوماتية ليبدع نصا تخييلياً غير خطي، ولكن هذا النص الرقمي غير مكتمل ولا يتحقق وجوده إلا بمتلقٍ يمتلك مفاتيح تمكنه من ولوج النص الرقمي وتفعيل النظام الموجود على الشاشة وتحويل عناصره إلى مجموعة من العلامات الترميزية عند عملية تنشيط الرابط من قِبل المتلقي أي قارئ النص، لذا لابد أن يتحرر المؤلف من وهم النص المكتمل، لأن هناك من شاركه في خلق النص وتأليفه من عالم بثقافة المعلوميات، ولغة البرامج المعلوماتية، والتقنية الرقمية -إذا ما عوزته هذه الثقافة فله أن يستعين بهم-، كما أن هناك متلقياً لن يكتمل النص ويتحقق إلا بوجوده. وبذلك يفتح الأدب الرقمي الباب مشرعاً أمام تعدد المؤلفين لا حصرهم في الثلاثة المذكورين فقط وإنما قد يزيد العدد بزيادة عدد المتلقين للنص الرقمي. وتخضع عملية إنتاج النص لخطوات ومهام متصلة ببعضها وفق ثلاث عمليات خاصة ومنظمة تسير على النحو التالي:
- القصدية: يقرر المؤلف الرقمي كتابة نص رقمي وفق نظام يسمح للمتلقي بالتنقل داخل النص.
- التنظيم: يقصد بالتنظيم ضبط مختلف البنيات القابلة للترابط وفق تصور محدد بدقة وعناية، لذا يَعد المؤلف خطاطة يحدد من خلالها خارطة النص ومختلف عقده وتشعباته ومواطنها وفقاً لطريقته الخاصة التي يسير عليها في بناء نصه، فيخلق بذلك نظاماً تسير عليه مختلف الروابط بحيث تكون متكاملة ومتسلسلة ويؤدي بعضها إلى بعض بطريقة عكسية وليست أحادية.
- الإنجاز: ويمثل المرحلة الأخيرة حيث تكون كل بنى النص مهيأة لبدء التنشيط بواسطة البرنامج الذي يسمح بتحديد مجال الروابط، وجعلها قابلة للاشتغال، ويظهر التنشيط من خلال التأشير على كلمات أو جمل محددة بلون مغاير أو مميز في نهاية عملية الإنجاز.
المتلقي الرقمي
 تفرض طبيعة النص الرقمي على المتلقي الإحاطة بالثقافة الرقمية -شأنه في ذلك شأن مؤلف النص- تتيح له هذه الثقافة حرية مفتوحة على الخيارات الذاتية في القراءة النصية، إذ يمكن له في تقنية النص المترابط اختيار مدخل لقراءته، ويصبح هو المتدبر لأسلوب القراءة ومنهجها، ويمتلك حرية المرور والولوج من أي طريق شاء، كما يمتلك صلاحية اختيار بداية النص ونهايته، وهذا ما يجعل المتلقي منفتحاً على قراءات مختلفة متعددة باعتباره مؤلفاً مشاركاً في عملية تحقق النص. وأرجعت زهور كرم شرعية شراكة المتلقي في تأليف النص إلى طبيعة النص التخييلي الرقمي باعتماده الروابط وانفتاحه على تعددية اختيار البداية مع احتمال الخروج من النص عند تشبعه منه، دون الانتهاء من قراءة كل تمظهراته.
وبهذا يمكن تحديد مهمة المتلقي مشاركاً في تأليف النص على النحو التالي:
- اختيار بداية معينة لولوج النص.
- تنشيط الروابط التي اختارها بمحض إرادته.
- إمكانية تجديد قراءات الروابط بشكل مختلف في كل قراءة.
 وتقوم العلاقة بين المؤلف والمتلقي ضمن إطار لعبة تعالقية، وتتم هذه العملية من خلال الحرية التي تتاح أمام المتلقي -القارئ- من جهة، وعبر تراجع سلطة المؤلف في تحديد شكل القراءة من جهة أخرى.
وهكذا تمنح تقنية النص المترابط للمتلقي خيارات القراءة، وحرية تدبر طريقة تلقي النص، وحرية اختيار تحقيق فعل الإبحار، ولكن رغم كل هذا تبقى حريته نسبية تخضع لمجال التأليف ونسقه.
 وهكذا يظهر لنا مفهوم جديد للنص يمتلك قوة تسمح له بعدد من التجاوزات هي:
- تجاوز مفهوم البناء اللغوي إلى الصوت، والاشتغال بالوثائق والملفات، والبرامج المعلوماتية، فيصبح النص نسيجاً من العلامات غير خاضعة لوضع ثابت.
- تجاوز مفهوم أحادية التأليف إلى تعدديته.
 - تجاوز مفهوم القارئ المتلقي إلى القارئ الفاعل المنتج.
 تتمخض هذه العملية عن أوضاع للنص الرقمي التخييلي تظهر عبر مستويات إنتاجه مادياً وذهنياً، تتجلى هذه المستويات في: مستوى مادي مكشوف ملموس، ومستوى ذهني ضمني يرتبط بتجربة القراءة وسياقها الثقافي والنفسي والاجتماعي، يتمثل المستوى الأول في النص المؤلف، ويتمثل المستوى الثاني في النص المقروء.
 - النص المؤلف: وهي المواد الأولية التي تظهر على الشاشة بشكل مباشر -دون تنشيط أو ممارسة لفعل الإبحار- يحددها المُؤلف وفق نظام معين يجمع فيه مختلف المكونات والعناصر المتمثلة في اللغة، الصوت، الصورة، الألوان، البرامج، المعلوماتية، الروابط، وهذه المواد تبقى أولية أو مادة خام لا تمثل النص في صورته المقروءة التي لن تظهر إلا بتفعيل المتلقي لما يريد من الروابط التي تظهر له على الشاشة. ولكن على الرغم من أهمية هذه المواد جميعها إلا أن اللغة والكلمة تبقى هي الجزء الأصيل والمكون الأساسي في الأدب التفاعلي، فجهاز الحاسوب والتقنيات والروابط والوسائط لن تخلق نصاً أدبياً لا يمكن أن نتكلم عن أدب تفاعلي، أو غير تفاعلي إلا حين تحضر الكلمة، إذ لا يوجد الأدب بعيداً عن الكلمة حتى إن اقترنت بعناصر أخرى، إلا أن أي عنصر آخر لا يمكن أن يغني عنها لأنها الأساس النص المقروء: أي النص الذي ينتجه المتلقي -المؤلف الثاني- بناء على عينة القرارات التي يتخذها حيال النص، منها طريقة تعامله مع وضعية النص ومكونات النص المؤلف وطريقة تعامله مع الروابط والاختيار منها، وتحديد زمن بداية النص ونهايته فالقارئ ينتهي بانتهاء تجربته في القراءة.
 فالنص المقروء هو النص الذي يركبه القارئ أثناء قراءته. وله علاقة بقراءة محددة يختارها القارئ.
عملية القراءة
تتطلب قراءة الأدب الرقمي التفاعلي المعرفة بأمرين وهما:
 الأمر الأول: معرفة أبجدية الحاسوب أي العمليات الضرورية لفتح الحاسوب، وتحريك الفأرة، ولوحة المفاتيح، والاستئناس بالأيقونات، والدخول إلى البرامج، وعمليات النسخ والتحفيظ والتحديد، والتحرك داخل مساحة الصفحة وما شابه ذلك من المعرفة الأولية لأنها تُعد مفتاح التعامل مع النص المترابط.
الأمر الثاني: كيفيات إنجاز النص المترابط وترتبط هذه الكيفية بمرحلة الإنجاز من جانب وبقصد القراءة من جانب آخر، وتُعد مرحلة الإنجاز ضرورية في عملية القراءة، لأنها تستند على قاعدة مركزية مفادها تحديد معنيات تسمح بالانتقال إلى شذرات نصية مختلفة عند تنشيطها، ونقف على بنيات نصية جديدة كلما قمنا بعملية تنشيط. أما قصد القراءة فتساعد على التمييز بين قارئين لكل منهما مقاصده الخاصة وغايته التي ينشدها من خلال عملية القراءة
- النص المترابط التخيلي: يُعد النص المترابط مشروعاً وثائقياً قبل دخوله المجال التخييلي مع النص الرقمي، ويحدده تيد نيلسون Ted Nelson في كونه بنية خاصة في تنظيم المعلومة النصية، ويُعد التنظيم هو العنصر الذي تتغير وسائله من تجربة أدبية إلى أخرى.
 لعلنا بهذا العرض السريع نكون قد وضعنا بعض المفاهيم المتعلقة بالأدب الرقمي في مسارها الصحيح.
ذو صلة