مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

عصر الثورة الصناعية الرابعة

كيف نصف عبر السرد، رحلة شخص مسافر من مدينة الخرطوم التي نعرفها الآن إلى مكة المكرمة: قبل ألفي عام وقبل ألف عام وقبل خمسمئة عام وقبل مئة عام وقبل خمسين عاماً وقبل عشرة أعوام وقبل أسبوع من اللحظة؟ وكيف نصف ذات الرحلة بعد مئتي عام من الآن؟!
اتفق بعض المؤرخين على ما يسمى بالثورات الصناعية التي غيرت مسار الحياة البشرية، فبعد اختراع الطاقة البخارية/المحرك البخاري (القرن الثامن عشر/ القرن التاسع عشر)، بدأت الثورة الصناعية الأولى ومن ثم الثورة الصناعية الثانية مع اختراع الكهرباء والهاتف (نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين)، ومن ثم في منتصف القرن العشرين مع اختراع الحاسوب بدأت الثورة الصناعية الثالثة، ومن بعدها قدم الحاسوب الشخصي وتكنولوجيا المعلومات، مع مرور الوقت قدمت العديد من التقنيات والحلول والتطبيقات في ساحة الاتصالات والبيانات لنصل إلى الثورة الصناعية الرابعة (مع نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة)، حيث الثورة الرقمية وتكنولوجيا الأشياء والبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي وتقنية النانو تكنولوجي. في هذه الحقبة تحديداً نرى أثراً فعلياً للتقنيات المتطورة والتي يصعب معها الفصل بين المجالات المادية والرقمية والبيولوجية.
عليه ففي كل عصر هناك أدوات تم استخدامها ودون شك أثرت على أسلوب حياة الإنسان ومسار المجتمعات. في عصر المعلوماتية، عبر التواصل وتبادل المعلومات عبر اللغة المكتوبة والصورة والفيديو والرمز واللون والإضاءة؛ حمل الإنسان أفكاره وأخباره وكل شيء يعبر عنه لفرد أو مجموعة من المتصلين. في غرف الدردشة والتطبيقات والتلفزة؛ نشأ ما اعتبر نوعاً جديداً من الأدب إن جاز التعبير، نتج عنه مسميات منها الأدب الرقمي والأدب التفاعلي والأدب التفاعلي الرقمي وأدب الإنترنت وأدب الحاسوب.. وأسماء أخرى كثيرة كلها تصب حول وصف وتسمية ما ينشأ عن كتابة نص عبر الحاسوب في وجود الشبكة العنكبوتية، حيث يتم توظيفها في صياغة النص والذي قد ينتج عن كاتب واحد أو عدة كتاب. نموذج: قصة أو جزء من قصة وربما مشهد يكتب في صفحة إلكترونية أو يرسل عبر بريد إلكتروني لآخر أو آخرين أو على تطبيق تواصل اجتماعي بأحد الحسابات، ومن ثم يتداخل القراء مع الكاتب نقاشاً حول ما قدمه، ومن ثم يقوم بتعديلات على النص، وربما يشترك جميع القراء في كتابة نص متكامل، وقد لا يكترث الكاتب بآراء الكتاب والقراء ويستمر في كتابة نصه ونشره على متصفحه للقراء المتابعين. في النص الرقمي التفاعلي قد يضع الكاتب رابطاً لصفحة أخرى أو تطبيق آخر ليأخذ القارئ إلى أغنية أو صورة أو فيديو لعمل آخر أو تفسير لمعنى أو إلى نص سردي آخر لذات الكاتب أو غيره، وقد يقود الرابط إلى لعبة إلكترونية أو غرف أخبار وبيانات. قد توجد نهاية محددة للنص التفاعلي الرقمي وقد تكون مفتوحة، ومن الممكن أن يكون النص مستمراً بتفاصيل جديدة مع كل قارئ جديد وإلى سنوات دون وضع نهاية له.
في الغرب على سبيل المثال يتعامل مع النص الأدبي التفاعلي الرقمي على أنه منتج إبداعي، أياً كانت آليته، عموماً نجد لديهم المجال مفتوحاً للتجريب عبره والتعاطي معه قراءة ونقداً. في إقليمنا ومنذ ثلاثة عقود نرى على جانب النقد ثلاثة نماذج تقريباً:
نقاد آمنوا بالجديد القادم للساحة وأعلنوا إيمانهم به حتى وإن كانت أدواتهم مازالت محدودة للتعاطي معه وتقديم رؤى واضحة مواكبة لهذه المبتكرات.
بينما هناك نقاد اكتفوا بالمتابعة السلبية ليروا مآل هذا الجديد الذي يزحف نحو الساحة.
بعض النقاد عز عليهم التسليم بمفهوم تطور الرواية الحديثة، فكيف بالاعتراف بما تقدمه أجيال اليوم من سرد رقمي؟! من النقاد من لا يتعاطى مع الشبكة العنكبوتية والهواتف الذكية إلا بشكل سطحي، فكيف التسليم بأثر أدوات العصر على أسلوب تفكير الإنسان وتعاطيه مع ما حوله وأثر التقنيات الحديثة في مسار المجتمعات وكذلك نشوء مسائل جديدة تستوجب تناولها عبر السرد.
ونحن في الشهور الأخيرة من نهاية العقد الثاني من الألفية الثالثة نلمس بإقليمنا درجة أعلى من الاعتراف بما يسمى بالرواية التفاعلية الرقمية، حتى وإن كان توافر نماذجها بشكل ضئيل؛ إلا أن وجودها فعلي، وقد تكون في مراحل أولية للتشكل، فيوجد من يعمل عليها ويحاول أن يصنع عوالم سردية عبر أدوات العصر الحديثة من تقنيات. أين سيصل بنا الأمر؟ لا نعلم تحديداً ولكن لِمَ لا نترك الأبواب مفتوحة لأشكال الإبداع التي يبتكرها أجيال اليوم والغد؟! قد تكون النتيجة جيدة وتحسب للأدب الإنساني في مرحلة ما.
ولأننا في عصر الثورة الصناعية الرابعة حقاً، فإن مختبرات التقنيات الدقيقة والذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة تعج بالكثير المرتقب، فخبر صغير حملته وكالات الأنباء مؤخراً يعلمنا بأن شركة الفيسبوك قامت بشراء مختبر علمي متخصص في تقنية الواجهة العصبية (CTRL LAB)، هذا المختبر قدم تقنية جديدة مذهلة، باختصار هذه التقنية قارئة لأفكار الإنسان وتعمل بالإنابة عنه لما يشاء، فبمجرد التفكير يستطيع أن يحرك الأشياء من حوله عبر ساعة بمعصمه تقرأ ما تحمله الأعصاب من إشارات يبعث بها عقله كأن يفتح النافذة أو يلعب الشطرنج عبر هاتفه الذكي. سيشكل هذا الاختراع ثورة حقيقية في عالمنا الذي نعرفه وعلى جميع الأصعدة، وبالتالي سيؤول أمر تطبيقات التواصل لجديد نجهله اللحظة، ولكن في غضون زمن وجيز سيتكشف لنا ما يدور خلف كواليس هذه الصناعات، ويهمنا حقاً كيف للعقل الإبداعي أن يستفيد من كل ذلك ويقدم نصاً مبتكراً يعبر عن إنسان اليوم والغد.
ماذا لو اختفت تطبيقات التواصل التي نعرفها الآن؟ ماذا لو اختفت الإترنت؟ ما هو الجديد الذي سيأتي وكيف سنتعاطى معه؟
في عالم اقتصاد البيانات والذكاء الاصطناعي، في عالم العملات الرقمية والهايبرلوب وأدوات الإعلام الجديد؛ هناك من يخرج متظاهراً لأجل حماية البيئة، وضد هذا ومع ذاك، وهناك من يحيا بعيداً عن كل ذلك مكتفياً بمراقبة السحب متى تمطر وكيف يقي نفسه من الرمضاء وضراوة البرد.
عني ابتكرت مشروعاً أسميته الكتابة للمستقبل، يأخذ بعين الاعتبار جميع أدوات العصر الذي نحيا، ومستجداته وأثرها في حياة الإنسان ومسار المجتمعات. في هذا المشروع أقوم بطرح أوراق ومقالات فكرية ثقافية تعكس مفاهيمي عن كل ذلك، وتقديم روايات سردية تطبيقاً لهذه الرؤى. كان قراري منذ البدء أن الرواية التفاعلية الرقمية في مشروع الكتابة للمستقبل عنصر مهم في جميع مراحل السرد. من ناحية أخرى، لتحقيق مبدأ الأصالة في كل عمل والبعد عن رتابة التكرار كان كل عمل في حد ذاته يؤدي وظيفة في المشروع، الهيكل الذي يبنى عليه النص له خصوصيته في كل شيء مع الاعتماد على التقنيات المبتكرة في الكتابة. أيضاً زوايا تناول القضايا عاكسة لتمازج الثقافات الثلاث: العلمية والأدبية مع التقنيات الدقيقة والحديثة في عوالم الإنسان. مع الأخذ بعين الاعتبار مسائل تتعلق بالثقافات التي نأمل عدم اندثارها لما أثبتته من عظيم جدوى مثل التسامح، وكذلك لا يغيب التأمل في معانٍ مثل ماهو الإنسان الكوني وما هي كونية الإنسان.
العلم لا يغيره إلا العلم، بينما الفلسفة أعمدة راسخة، من ناحية أخرى لا يعني أن نستحسن أمراً أن نقدسه، بالتالي كل شيء في هذه الحياة قابل للوقوف عنده واختبار جدواه للإنسانية من عدمها. لذا النجاح حليف المجتمعات التي تحتفي بالتنوع الثقافي وتنبذ التمييز والتفرقة بكل أنواعها، نموذج المدن الكوزموبوليتان (المدن الحاضنة للثقافات المتنوعة) مثل الكثير من مدن الخليج العربي منها مدينة أبوظبي التي أعيش على أرضها وأجدها حققت الكثير من النجاحات وفي عدة مجالات وفي زمن وجيز.
في هذه الحقبة على النقد الثقافي أن يتقدم الساحة، وكذلك لأجل نقد مواكب لكل نص سردي مقدم أن يعد له أدوات تخصه. العالم الآن ليس كما اعتدنا أن نسمع سابقاً أصبح عبارة عن قرية صغيرة، بل العالم بتفاصيله الآن قد أضحى في مساحة لا تتجاوز ميناء ساعة اليد، وعليه إن كنا لا نكتب لأجيال اليوم والغد فلمن نكتب، بل ولِمَ نكتب؟!
إذن في هذه الحقبة على النقد الثقافي أن يتقدم الساحة، وكذلك لأجل نقد مواكب لكل نص سردي مقدم أن يعد له أدوات تخصه.
ذو صلة