كل جديد يثير الحماس أو الرفض، وفي الوقت نفسه ينجم عنه التوجس أو الترقب. هذا ما وقع مع الأدب الرقمي، وبالأخص في الوطن العربي. الأدب الرقمي جنس أدبي وفني في آن واحد ظهر في الغرب منذ أواسط الثمانينات من القرن الماضي بسبب التطور الذي عرفته الوسائط الجديدة (الحاسوب، الموصول بالفضاء الشبكي)، وقد صارت في آن واحد تجمع بين أدوات الإنتاج ووسائل التلقي، من جهة، ومن جهة أخرى تتيح إمكانية استخدام النص المكتوب إلى جانب توظيف الصوت والصورة بمختلف أشكالها. لذلك اعتبرناه جنساً أدبياً لأنه تطوير لأجناس وأنواع أدبية قائمة (الشعر، السرد، المسرح)، بما يسمح به هذا الوسيط الجديد عن طريق إدماج الصوت والصورة إلى جانب النص، ومن هنا أعطيناه البعد الفني العام والذي يتجاوز الجانب اللغوي الأدبي الذي كانت تتميز به الأشكال الأدبية ما قبل الرقمية.
وفق هذا التحديد، الأدب الرقمي أدب يتم التواصل معه من خلال الوسائط الجديدة (أي الرقمية). ومن هنا جاءت تسميته بالرقمي تمييزاً له عن النص الذي كان يقدم من خلال الطباعة، والذي صار يعرف عموماً بالنص الورقي. ولما كان هذا الوسيط الجديد يتيح إمكانيات متعددة لتقديم النصوص الأدبية وغيرها، سواء كانت مطبوعة أو حتى مخطوطة وغيرها (صوتية صورية)، عبر البرمجيات التي تسمح بنقلها إلى شاشة الحاسوب (صيغة pdf مثلاً بالنسبة للكتاب)، هذا إلى جانب إمكانية إبداع نصوص تجمع بين النص المكتوب والمسموع والمصور، من خلال برمجيات خاصة تسمح بذلك؛ أمكننا التمييز بين الإلكتروني والرقمي.
يدخل في نطاق الإلكتروني كل ما يمكن نقله أو تحويله من أداة إنتاج خارجية (كتابية أو صوتية أو صورية) إلى الوسيط الرقمي بواسطة صيغة (pdf) مثلاً، ونقله إلى الحاسوب والفضاء الشبكي. أما الرقمي فنقصره، فقط، على ما يتم إنتاجه وتلقيه معاً من خلال الحاسوب، أي بواسطته دون غيره من الوسائط الأخرى الخارجية. تبعاً لهذا التمييز نعتبر الوسيط الجديد في آن واحد أداة للنشر والتوزيع، ووسيلة للإبداع.
إن من يكتب نصاً بصيغة الوورد مثلاً، وينقله إلى صفحته على التويتر أو الفيسبوك، استعمل الوسائط الاجتماعية الرقمية للنشر فقط. ولا عبرة بما يوفره من ردود الأفعال التي تدخل في نطاق نوع ما من التفاعل الذي يختلف عن التفاعل في النص الرقمي. لقد تم تحويل هذا النص إلى وسيط يسمح له بالرواج على نطاق واسع عكس ما توفره له المجلة أو الجريدة مثلاً. لذلك أنعت هذا الأدب بالإلكتروني تمييزاً له عن الأدب الرقمي الذي ينتج ويتلقى من خلال الوسائط الجديدة والذي يشبه في صيغته هذه ألعاب الفيديو الرقمية على سبيل التمثيل.
عندما بدأ هذا الأدب الرقمي يظهر في أمريكا وبعد ذلك في أوروبا ارتبط في البداية بـ(النص المترابط) الذي تولد مع ظهور هذا الوسيط الرقمي الجديد، تمييزاً له عن النص الخطي الذي اتصل بالطباعة. وبعد ذلك مع بروز (الوسائط المترابطة) التي تسمح باستخدام إلى جانب النص المكتوب الصوت والصورة في الوقت نفسه؛ ظهرت لهذا الأدب الذي يوظف النص المترابط في البداية تسميات كثيرة: الأدب الإلكتروني، الرقمي، التفاعلي، وعلى مستوى الأنواع: رواية النص المترابط، أو الرواية المترابطة، الرواية التفاعلية، الرواية الرقمية، لكن كل هذه التسميات لا تدل دائماً على الشيء نفسه. لذلك فإن ما هو متعارف عليه لدى الأوساط الأكاديمية التي تعنى بالدراسات الأدبية الرقمية الآن يقضي بأن الرقمي في علاقته بالأدب يتصل فقط بما ينتج ويتلقى من خلال الوسائط الجديدة معتمداً من جهة على الترابط، ومن جهة أخرى على التفاعل بمعنى جديد. ولذلك فإن مصطلح الأدب التفاعلي لم يظهر إلا مع هذا الوسيط. إن الترابط بين البنيات النصية من خلال الروابط التي تتيح للمتلقي الانتقال بين تلك البنيات تحقّق مع الجيل الأول للفضاء الشبكي. أما التفاعل فقد اتسع مداه مع ظهور الجيل الثاني من الفضاء الشبكي (web.2.0). ما خلا ذلك من إبداعات أدبية يمكن أن تدخل في نطاق الأدب الإلكتروني، أو أدب الوسائط لاجتماعية الجديدة، أي الأدب الذي يستخدم الوسائط الجديدة أداة للنشر.
تبعاً لهذه التوضيحات أرى أن الأدب الرقمي له خصائص تميزه عن غيره من الإبداعات ما قبل الرقمية أو التي توظف الوسائط الجديدة للنشر: إنه أدب غير خطي، أي أنه متعدد الأبعاد (ليست له بداية ونهاية كما نجد مثلاً في الرواية غير الرقمية). يمكن للمتلقي أن يتفاعل معه عن طريق تنشيط روابطه التي تنقله إلى نصوص أو مواد سمعية أو بصرية غير ظاهرة على الصفحة التي يطلع عليها. يتيح إمكانيات كثيرة لتفاعل القارئ معه بكيفية مختلفة عما توفره النصوص الأخرى. كل هذه الخصائص وغيرها لا يمكنها جعل إبداع النص الرقمي ممكناً إلا من خلال برمجيات خاصة تعطي للمبدع إمكانيات لا حصر لتوظيفها في كتابة النصوص، أو إدراج مواد صوتية أو مرئية تبعاً لقناعته واستجابة لمتطلبات إبداعية وجمالية ودلالية.
تسمح هذه الخصوصية بإعطاء صورة جديدة للمرسل والمتلقي في ضوء ما يسمح به الوسيط الجديد في إنتاج النص الرقمي. ونظراً لكون البرمجيات التي تُبدَع تتطور باطراد ويتفنن المصممون (ومنهم مبدعون أدبيون) في إدخال تحسينات عليها تلبية لحاجات المبدعين والمتلقين معاً؛ نجد أنفسنا أمام اتجاهات وتيارات متعددة، وطرائق مختلفة في إبداعات رقمية في مختلف الأجناس والأنواع: شعر رقمي، مسرح رقمي، ألعاب فيديو رقمية..
هذا الأدب الجديد هو أدب أولاً، أي لا بد من أن يتوافر على أدبية خاصة تجعله قابلاً للاندراج في نطاق الإبداع الأدبي. وهو ثانياً متعدد العلامات يتجاور فيه النص مع الصوت والصورة، ولا بد لهذا التجاور أو التفاعل بين هذه العلامات المختلفة أن يؤدي إلى تكوين جمالية خاصة.
إن أدباً جديداً تشكل في نطاق وسيط جديد لا بد أن يدفع في اتجاه خلق مرسل جديد، ومتلق جديد، ودارس جديد. ولا بد لكل هؤلاء المتفاعلين مع هذا الوسيط الجديد أن يتوفروا جميعاً على ثقافة جديدة هي الثقافة الرقمية، وهي ما أسميها الرِّقامة، إلى جانب الثقافة الأدبية. ومن خلال الثقافتين معاً يمكننا أن نتحدث عن (الرقامة الأدبية).
الرقامة الأدبية مبحث علمي جديد يسعى إلى النظر في العلاقة بين الإبداع الرقمي، في علاقته بمرسله ومتلقيه، وبالوسيط التكنولوجي، حيث يوظفانه معاً في التواصل والإنتاج والتلقي، من وجهة تستفيد من تراث الدراسات الأدبية في جوانبها البلاغية والنقدية والعلمية، ومن جهة أخرى من الدراسات التي اهتمت بالصوت والصورة والتشكيل والرسم، وما شابه هذا من العلوم التي اهتمت بالفنون البصرية والعرضية (السينما مثلاً)، إلى جانب ثالث هو امتلاك معرفة بالمعلوميات وما يتصل بها من برمجيات، وكيفية استخدامها.
الأدب الرقمي بهذه المواصفات متحقق منذ أواسط الثمانينات من القرن الماضي في الغرب. وهو يتطور الآن في مختلف الدول التي أخذت بأسباب التطور التكنولوجي الجديد. كما أن الدراسات الأدبية الرقمية، وفي اختصاصات خاصة بأنواع من الأدب الرقمي والسردي على وجه الخصوص؛ صارت لها مكاناتها في مقررات الكثير من الجامعات العالمية: تحضّر فيها الأطاريح، وتعقد لها مؤتمرات علمية يحضرها دارسون تشبعوا بالعلوم الأدبية ما قبل الرقمية (السرديات، والسيميائيات الأدبية مثلاً)، وعملوا على تطويرها لتتلاءم مع الوسيط الجديد الذي فرضته التكنولوجيا، وما تمخضت عنه من إبداعات جديدة ساهم في إبداعها أدباء طوروا بدورهم تجاربهم في ضوء ما يقدمه لهم الوسيط الجديد وبرمجياته.
لا شك أن لهذا الإبداع الرقمي مستقبلاً في البلدان التي تشكل فيها وتطور. ويشهد بذلك ما عرفه من تحولات كبرى، نظرياً وتطبيقياً، من أواخر القرن الماضي إلى الآن. أما في البلدان التي لم تشهد بعد ميلاده، أو تعرف بدايات محتشمة وجنينية مثل الوطن العربي؛ فإن الحماس له قليل بالقياس إلى الرفض. كما أن التوجس والترقب يسودان لدى المبدع والدارس، والمتلقي أيضاً.
يمكن أن يتأسس عندنا أدب عربي رقمي عندما تصبح الرقامة بصفة عامة، والرقامة الأدبية بصورة خاصة اختصاصاً معترفاً به في الحياة العلمية والعملية. كما يمكن للرقامة الأدبية أن تتشكل عندنا وتتطور عندما يصبح عندنا أدب رقمي جدير بهذه الصفة. بدون ذلك سنظل نتحدث عن الأدب الرقمي وكل ما يتصل به كما نتحدث عن أي خطاب بلا رؤية نقدية بعيدة المدى، ولا تصور علمي دقيق، ولا مقاصد واضحة، ويشترك في الحديث عنه الفضولي، والمتحمس، وغير العالم، فلا تزداد الرؤية إلا ضبابية، والتصور سوى فوضى وتسيب.