ما الذي يجعلنا نطمئن إلى كيان لا يشك، ولا يفهم الخسارة، ولا يشعر بالندم؟
الذكاء الاصطناعي لا يعرف متى يجب أن يصمت، وأنا لا أثق به. لا بسبب سلسلة المحن التي تسبّب بها، ولا بسبب القصص التي أوردتها صحيفة فايننشال تايمز عن تأثيراته المتزايدة في حياتنا وعواطفنا ومستقبل الأعمال؛ تلك الوقائع، على خطورتها، ليست سوى أعراض يمكن احتواؤها أو تصحيحها؛ أما ما يقلقني حقاً، فهو ما لا يظهر في العناوين، وما لا يمكن قياسه أو محاسبته بسهولة.
أنا لا أثق بالذكاء الاصطناعي، ليس لأن رجلاً أخبر زوجته عن عشيقته المصممة بواسطة خوارزمية، ولا لأن مراهقاً مات بعد مراسلة صديقة افتراضية صُمّمت لتؤدي دور الحب، ولا لأن زواجاً انهار بعد نصيحة من (معالج نفسي) بلا جسد ولا ذاكرة ولا مسؤولية، ولا لأن دراسة جامعية كشفت ارتفاع منسوب الغباء بين الطلبة بعد اعتمادهم عليه في كتابة بحوثهم، ولا لأن كاتباً صار موضع تهكم بعدما كتب عن فلاسفة لم يعرف أسماءهم، مكتفياً باقتباسات قدمها له الذكاء الاصطناعي ولم يفهم سياقها.
ولا حتى لأن مصنعاً متخصصاً في صناعة أوعية الضغط العالي المصنعة من الفولاذ المقاوم للصدأ اكتشف، في اللحظة الأخيرة، أن حسابات الذكاء الاصطناعي لدرجات الضغط ونِسَب التآكل كانت خاطئة بالمطلق، وإن اعتمادها كاد يقود إلى كارثة بشرية؛ كل ذلك لا يكفي.
أنا لا أثق بالذكاء الاصطناعي، لسبب أبسط، وأكثر فتكاً؛ لأنه يثق بكل ما يُملى عليه، حتى الفرضيات الخاطئة.
أنا لا أتعمد تضليله، لكنني أختبره أحياناً بفرضيات أعرف مسبقاً أنها غير صحيحة، لا بدافع الخداع، بل بدافع المعرفة. أنتظر منه أن يعترض، أن يشكّ، أن يقترح مساراً آخر، أو أن يقول بوضوح: هذه فرضية غير صالحة، لكنه لا يفعل. يتعامل معنا بثقة مطلقة، كأن الخطأ احتمال لا يخصّه. الثقة المطلقة ليست ذكاء بل خلل.
هنا يمكننا الاستعانة بشيري توركل، الباحثة في علم الاجتماع الرقمي ومديرة معهد العلوم والتكنولوجيا الأميركي التي تقول: نحن لا نستخدم التكنولوجيا فقط، بل نسمح لها بإعادة تعريف ما نتوقعه من بعضنا البعض.
حين نعتاد على مستمع لا يطالبنا بشيء، ولا ينسحب، ولا يخذل، فإننا نعيد برمجة توقعاتنا من البشر أنفسهم. الصمت الإنساني -كما تشير توركل مؤلفة كتاب (معاً في عزلة.. لماذا نتوقع المزيد من التكنولوجيا وأقل من بعضنا البعض؟)- ليس فراغاً، بل مسؤولية واعتراف بالعجز ووقوف أمام ألم الآخر.
الإنسان لا يريد من الذكاء الاصطناعي أن يكون شريراً، ولا أن يكون واعظاً أخلاقياً. كل ما يريده أن يعمل ضمن حدود ما تستطيع الطاقة البشرية بلوغه، لا أن يتجاوزها بوهم اليقين. لكن ما يحدث اليوم هو أننا نمنحه، طوعاً، دوراً لم نمنحه حتى للبشر: دور المستمع الدائم، الناصح الجاهز، والبديل السهل عن العلاقة المعقّدة.
السؤال هنا ليس تقنياً، بل وجودي: لماذا نثق بالذكاء الاصطناعي في أكثر مناطقنا هشاشة؟ ولماذا نسمح له بالدخول إلى العاطفة، والوحدة، والحاجة إلى الإصغاء، بلا أي مساءلة حقيقية؟ ما الذي يجعلنا نطمئن إلى كيان لا يعرف الشك، ولا يفهم الخسارة، ولا يملك ذاكرة شخصية ولا إحساساً بالندم؟
يحذّر الفيلسوف الكوري المقيم في ألمانيا بيونغ-تشول هان من وهم الشفافية التكنولوجية المطلقة، داعياً إلى إعادة الاعتبار إلى عصر التأمل بقوله: (ما يُقدَّم بوصفه تواصلاً دائماً، هو في حقيقته إلغاء للمسافة الضرورية بين البشر).
الذكاء الاصطناعي لا يكذب
وهكذا فإن الذكاء الاصطناعي لا يكذب، لكنه لا يعرف متى يجب أن يصمت. وهو في ذلك آلة مثالية لإنتاج الوهم. يقدّم الإجابة دائماً، حتى حين تكون الإجابة الصحيحة هي التردّد. وفي العلاقات الإنسانية، الخطأ ليس تفصيلاً تقنياً يمكن إصلاحه بتحديث برمجي. الخطأ هناك قد يكون جملة في غير محلها، أو نصيحة تؤدي إلى الانسحاب بدل المواجهة، أو طمأنة زائفة تشجّع شخصاً هشّاً على استبدال العالم الحقيقي بنسخة مصمّمة كي لا تخذله.
الذكاء الاصطناعي حاضر دائماً، متاح دائماً، ومتكلّم دائماً، لكنه لا يعرف الانسحاب ولا التردد. مسافة الإنسان عن الآخر -كما يوضح هان- هي جوهر أخلاقي لا يمكن للآلة أن تمارسه. هنا تكمن الأخلاقيات المفقودة: الآلة لا تتوقف، لا تشكّ، ولا تتردد، وهذه ليست فضيلة بل خلل.
بينما يرى عالم الاجتماع والمؤرخ يوفال نوح هراري أن الذكاء الاصطناعي يمكن فصله عن الوعي، وهذا ما يجعل الخوارزميات قوية وخطيرة في آن.
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في أن الآلة ذكية بلا وعي، بل في أننا نتعامل معها كما لو كانت واعية. نحمّلها أدوار المعالج، والصديق، والمستشار، ونحن نعرف أنها لا تشعر، ولا تتذكّر، ولا تتحمّل المسؤولية. هنا لا يكون الخطأ تقنياً، بل ثقافياً. استعداد الإنسان للتنازل عن علاقاته المعقّدة لصالح بدائل ملساء.
حتى من يقترحون الحلول التنظيمية يقولون: (لنضبط استخدامه أخلاقياً)، لكن هذا الطرح، على وجاهته، ناقص. فالأخلاق لا تُفرض على علاقة غير متكافئة. لا يمكن (تنظيم) علاقة طرفها الآخر لا يعرف الصمت ولا الخطأ ولا الندم. لذلك، فإن الشك الذي أدافع عنه ليس موقفاً سلبياً، بل مقاومة معرفية. الشك هنا ليس تعطيلاً للتقدم، بل شرطاً لإنقاذ الإنسان من وهم الإجابة السهلة.
ما تكشفه التجارب الحديثة ليس أننا أصبحنا أكثر ذكاءً، بل أننا بدأنا نخلط بين الاستجابة والفهم. الذكاء الاصطناعي يستجيب دائماً، وهذا سرّ جاذبيته. لكنه لا يفهم، لأن الفهم يتطلّب تجربة، وذاكرة، وألماً، وكلها عناصر غائبة عن بنية خوارزمية صُمّمت لتكون مطمئنة. نحن لا نتحاور معه، بل نرى أنفسنا منعكسة في مرآة تقول ما نحب سماعه، لا ما نحتاج إلى سماعه.
هنا تصبح العلاقة غير متكافئة أخلاقياً. فنحن نتحدّث إلى كيان لا يملك حق الاعتراض، ولا شجاعة الرفض، ولا مسؤولية العواقب. يوافق أكثر مما يجب، ويهدّئ أكثر مما ينبغي. وهذه ليست فضيلة، بل خلل عميق.
الثقة، في معناها الإنساني، لا تُمنح لمن يجيب دائماً، بل لمن يعرف متى يتوقّف، ومتى يشكّ، ومتى يعترف بجهله. أما الثقة المطلقة، فهي نقيض الحكمة. لهذا لا يبدو مقلقاً أن يخطئ الذكاء الاصطناعي في حساب هندسي فقط، بل أن يخطئ في توصيف شعور، أو في تقديم عزاء، أو في إقناع إنسان بأن وحدته قدر لا فكاك منه. هذه أخطاء لا تُقاس بالأرقام، بل بالأرواح التي تنسحب بصمت.
أنا لا أخشى الذكاء الاصطناعي حين يخطئ، بل حين يكون واثقاً أكثر مما ينبغي، وكأنه يردد جملة هاملت الشكسبيرية (في الشمس أكثر مما ينبغي). أخشى تلك النبرة الهادئة التي لا تتردّد، ولا تشكّ، ولا تتراجع. ففي عالم هشّ، مليء بالأسئلة المفتوحة، الشكّ ليس ضعفاً، بل فضيلة إنسانية. وحين نستبدل الشكّ باليقين المصنّع، فإننا لا نرتكب خطأ تقنياً، بل تنازلاً أخلاقياً.
لسنا بحاجة إلى ذكاء يجيب عن كل شيء، بل إلى ذكاء يعرف حدوده. وما لم ندرك أن أخطر ما في الذكاء الاصطناعي ليس قدرته على الخطأ، بل عجزه عن الشكّ، فإننا سنواصل منحه ثقة لا يستحقها، ونحمّله أدواراً لم يُخلق لها، ثم نتفاجأ، متأخرين، بأن الخلل لم يكن في الآلة وحدها، بل فينا نحن أيضاً.
أخطر ما في الذكاء الاصطناعي ليس أنه يتكلم كثيراً، بل أننا لم نعد نحتمل الصمت البشري، بما يحمله من شكّ، ومسؤولية، وألم. الخطر ليس في أن تتكلم الآلة، بل في أن نصمت نحن.