حين أكرمني الأصدقاء والزملاء في (المجلة العربية) العزيزة بالكتابة عبر صفحتها العريقة (حتى نلتقي)، وهي تحتفي بخمسين ربيعاً من العطاء، عادت بي الذاكرة إلى البرنامج الثقافي لمهرجان الجنادرية؛ إلى المنابر التي ازدحمت بالأسئلة، والوجوه التي حملت تنوع الثقافة العربية، والحوارات التي تبدأ في قاعات الندوات، ثم تستأنف حيويتها في مقر إقامة الضيوف، حيث يمتد اللقاء ويتسع الحديث.
وجدتني أمام تجربتين تلتقيان في خدمة الثقافة العربية وجمع رموزها وأرباب الفكر وصنّاع المعرفة والأدب والإبداع؛ الجنادرية بمنابرها وضيافتها ولقاءاتها المباشرة، والمجلة العربية بصفحاتها وكتبها ومشروعها المتجدد في النشر. وفي كلتيهما إيمان بأن الثقافة تزدهر بالتواصل، وأن المعرفة تنمو حين تتلاقى التجارب وتتعدد الأصوات.
ولفهم القيمة التنويرية للجنادرية، ينبغي استعادة زمن انطلاقتها في منتصف الثمانينات الميلادية؛ يوم كانت إقامة ملتقى بهذا الاتساع والتنوع خطوة تتقدم على توقعات مرحلتها، وتفتح أبواباً لم تكن مهيأة لمثل هذا الحضور. هذا المشروع الذي رعته الدولة وصنعه الحرس الوطني، شكَّل رؤية تجمع الاعتزاز بالموروث والانفتاح على الفكر الإنساني. وكان لافتاً أن تنهض مؤسسة عسكرية بهذه المسؤولية الحضارية، فتجعل من صون الهوية باباً للحوار، ومن الاحتفاء بالتراث منطلقاً لأسئلة المستقبل.
وأستحضر هنا شهادة المفكر السعودي الدكتور معجب الزهراني في حواري معه لبرنامج (صنوان)؛ إذ روى دهشته، حين كان في باريس، من حديث بعض أصدقائه عن ذهابهم إلى الرياض لحضور مهرجان اسمه الجنادرية، ومن بينهم الطيب صالح ومحمد أركون ومحمد عابد الجابري. وهي دهشة تختصر حجم المبادرة وقدرتها المبكرة على تغيير الصورة وفتح أفق جديد للتواصل الثقافي.
وعلى امتداد دوراته، استضاف المهرجان أسماء لافتة، من الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري، إلى المفكر الإسلامي الكبير محمد الغزالي، إلى المفكر الأمريكي صاموئيل هنتنغتون، وشخصيات سياسية بارزة مثل: مهاتير محمد، والملك تشارلز الثالث، أمير ويلز آنذاك. ويكشف هذا التنوع اتساع أفق الجنادرية وقدرتها على جمع ضيوف تتباين مرجعياتهم وتجاربهم، ومنح الثقافة السعودية حضوراً في دوائر عربية وعالمية واسعة.
لقد أشعل برنامجها الثقافي جذوة الفكر والمعرفة، وأتاح للجمهور السعودي لقاء أسماء قرأها في الكتب والصحف، وللمثقف العربي أن يعرف المملكة عبر حوار حي وتجربة مباشرة. وعلى منابرها تفاعلت قضايا الهوية والتراث والحداثة، ونشأت صلات وصداقات تجاوز أثرها أيام المهرجان.
واليوم، وأنا أطل من نافذة (المجلة العربية)، أستعيد الجنادرية تجربة صنعت حراكاً، وأسهمت في تشكيل مشهد ثقافي عربي كانت الرياض إحدى ساحاته المؤثرة. وذلك من أهم مكتسباتها الفكرية والثقافية للمملكة والعالم العربي؛ مكتسب يستحق التوثيق والقراءة، كما تستحق المجلة العربية التقدير وهي تواصل، منذ نصف قرن، جمع المبدعين وصون حضور الكلمة وإبقاء أبواب اللقاء مفتوحة.