مجلة شهرية - العدد (602)  | نوفمبر 2026 م- جمادى الأولى 1448 هـ

الخوف عند الأطفال

كثيراً ما يقع الخوف في قلب الأطفال، فيصيب نشاطهم الذهني بالفعالية السلبية، كما يصيب نشاطهم العضوي بالعزلة والإحباط، وهو ما يدفعنا إلى التساؤل عن كنهه ومعناه، وكذلك عن أسبابه، وكيفية معالجة الأطفال منه، ومن تأثيره السلبي على سلوكهم وعلى تفكيرهم ومواقفهم بصفة عامة.
تعريف الخوف: هو حالة فطرية انفعالية، يشعر بها الإنسان في عمومه، والطفل بشكل خاص عند الخطر، تؤدي إلى تغيير في السلوك. والخوف لا يتسم بالسلب دائماً، بل يكون نافعاً ومفيداً في عديدٍ من الأحيان، كالخوف من النار أو السقوط من أمكنة عالية أو من استخدام الأدوات الحادة، وخصوصاً إذا ما أصابت أحداً من أقرانه إصابة ضارة وبليغة.
بدايات الخوف عند الأطفال:
يبدأ الخوف عند الأطفال مبكراً، فمنذ حداثة ولادته يخشى من الأصوات العالية، وحين يبلغ من العمر سن الثالثة، يخاف مِمنْ يزور أهله من الغرباء، ومما يصادف في البيت من الحشرات، ومن الأماكن المظلمة، وكلما كَبُر يزداد الخوف عنده ويتطور، وينتقل إلى علاقته الأُسرية فيخاف من أمه وأبيه، ثم إلى حياته المدرسية فيخشى الفشل الدراسي، ومن حوادث الخطف إذا ما سمع عنها، وهو ما سيقودنا إلى الحديث عن أسباب الخوف ومؤداها في حياة الطفل.
أسباب الخوف عند الأطفال:
هناك جملة من الأسباب التي تخلق شعور الخوف عند الأطفال، ومن أهمها تخويف الأهل للطفل من اللصوص والحيوانات المفترسة، ما لم يحقق رغباتهم، وما لم يطعهم، ويستجب لطلبهم في المضي إلى النوم مبكراً - مثلاً. إضافة إلى عدوى مشاعر الكبار، كخوف أحدٍ من أفراد أسرته من حيوان (ما)، وظهور هذا الخوف أمامه، مما يؤدي إلى انتقال سريع لهذا الخوف إليه. وكذلك استماعه إلى القصص المخيفة، ومشاهدة صور ومناظر بعض الأفلام المرعبة التي توقظ في داخله خوفاً كبيراً لا ينفك عنه. وفي هذا السياق تلعب القسوة والعنف التي تُمارس على الطفل من أساتذته ومعلميه دوراً مهماً ومؤثراً في زرع الخوف لديه. ناهيك عن المشادات والمشاحنات المنزلية، سواء بين أمه وأبيه أو إخوته الذين يكبرونه، فلها بالغ الأثر في جعل الخوف يسكنه على نحوٍ مقيم. وكذلك مبالغة أبويه من الخوف عليه تصيبه بالخوف، وتسمه بالسلبية والتردد والتراجع وعدم الإقدام.
وعلينا في هذا المضمار ألا نغفل عن أن بعض الخوف الذي يصيب الأطفال لا يمكن اعتباره مرضياً، بل إنه طبيعي بالنسبة إلى مرحلته العمرية، وخصوصاً الأولى منها، حيث يتبدى فيها الخشية من الدخول بمفرده إلى الأماكن المعتمة في الليل، أو خوفه من المجهول أو الموت المصحوب بالتهديد، هذا وما يماثله يكون الخوف الطفلي منه متوقعاً وليس شاذاً، ولا يمكن اعتباره من الخوف المرضي الذي يستولي على سائر قوى الطفل وقدراته من أي شيء يصادفه، وذلك جراء عدم الثقة بالنفس التي تنشأ من التربية الخاطئة التي تقوم على الحماية الزائدة والتدليل المفرط، أو على نقيضها المتولد من التوبيخ والزجر والضرب، أو تعويد الطفل على الاعتماد على أهله وذويه في كل أموره، فيصبح التواكل سمة وصفة فيه، وهو ما ينتج عنه الفشل في أي إنجاز يريد تحقيقه، فيصاب بالإحباط والقلق الذي يزرع في نفسه الخوف عند كل إقدام وفعل مطلوب منه. ويضاف على ذلك العاهة الجسدية التي لا تسعفه في العديد من المواقف التي يحتاجها، فتتحول إلى مصدر للخوف الذي يقيم بداخله ويؤثر فيه عند كل حدث يقع حوله ويستشعر منه الخطر.
سبل الوقاية من الخوف:
بعد التأكد من أن حالة الخوف التي اتسم بها سلوك الطفل الحالية غير طبيعية مع مرحلته العمرية؛ يأتي عقد العزم على خطة علاجية مناسبة لأهم الأفعال إزاء هذه العقدة النفسية التي أصابت السلوك الطفلي وحرفته عن سجاياه الإنسانية الطبيعية، وفي مقدمة هذه الخطة العلاجية إحاطة الطفل بالرعاية والحنان بشكل مناسب، يخلو من الشطط، والتدخل في الوقت المناسب لمساعدته في مواجهة الأشياء المخيفة له إن ظهرت أو وجدت، وإبعاده عن الأمكنة التي يمكن أن توجد فيها، والمحاولة المستمرة على إذكاء روح الاستقلالية فيه ومراقبته، دون إظهار أي مشاعر للقلق، ودون أن يشعر أو يلحظ هذه المراقبة له. إضافة إلى ذلك من الضروري تنشيط العامل الاجتماعي وتشجيع الطفل على الاندماج مع أقرانه واللعب معهم. والتعاون المتواصل بين المدرسة وعائلة الطفل تكتسب أهمية كبرى في إنجاح الخطة العلاجية المقررة. وقبل ذلك وبعده من الضرورة القصوى إحاطة الطفل بأجواء أُسرية وعائلية هادئة ومستقرة تُشيع في دواخله النفسية الراحة والثقة، وتمنع عنه أي مثير للخوف، سواء من صور أو مشاهد متلفزة أو من إخوته الأكبر منه، وهذا كله له بالغ الأثر في تحرره وخلاصه من حالة الخوف المرضية التي تسيطر على سلوكه ومخاوفه، ولا يمكن له أن يتحقق من دون الوالدين اللذين يقع عليهما القيام بعديد من المهام التي تساعد ولدهما في التخلص من الخوف، فهو في المقام الأول شديد الالتصاق والاقتران بهما، فيشعر أن الأمان رهن وجودهما، وبإمكانهما من خلال هذه العلاقة تعزيز الثقة بنفسه وبقدراته التي تستطيع إنجاز أكثر مما يظن ويعتقد، الأمر الذي يتولد منه التشجيع المحبوب لديه والذي يدفعه إلى الإقدام والتحدي ليثبت الجدارة والقوة التي أكد عليها أحد والديه. واعتماد الطفل عليهما، وعلى أهمية ما يبثانه من تأجيج لقواه الداخلية الكامنة فيه؛ أمر في غاية الأهمية، كما تؤكد العديد من نظريات علم نفس الطفل التربوية.
وعلينا قبل الختام عدم إغفال أهمية الألعاب والأنشطة الرياضية في مساعدة الطفل على إكسابه الشعور بإمكان قيامه بعديد الأفعال والأنشطة في غياب أبويه وأفراد أسرته، وهو ما يساعده ويشيع في نفسه الاستقلال عنهم، كما أنه يفيده ويزرع في داخله النفسي المزيد من الثقة التي تعينه على نحوٍ فعّال في التغلب على الخوف والتحرر منه، ومما خلفه فيه خلال سنوات عمره السابقة.

ذو صلة