تناقلت الأخبار خبراً يقع في مسمعك فيقتل الابتسامة على محياك، ويُلمّ بنفسك فيتركها مُحطمة هالكة كهلاك ذلك الغريق في موج متلاطم، لا من ماء مالح أجاج، بل من كثبان الرمال الموحشة.
عندما يمضي الناس عبر البحار يكونون في توجس وترقب حتى يصلوا إلى غايتهم ووجهتهم، أما عابر الصحراء فلا يعتري نفسه قلق ولا وجل، وهذا مكمن الهلاك وسببه!
وهذا ما حصل مع رجل غاص في صحراء قاحلة بصحبة ابنه ذي الأعوام العشرة.
وقد أخذ من الوقود ما يكفي لرحلته ويزيد - هكذا ظن - وحمل من الماء علباً كثيرة ابتاعها من آخر محطة للوقود. ومضى يحدوه الفرح والحبور بصحبة فلذة كبده، وسار موقناً بجهاز الملاحة الذي معه، وما علم ذلك الرجل أنه يسير إلى حتفه، فقد خدعته أمواج الصحراء فمضى مطمئناً، غارقاً في بحر من السعادة والدَّعة، تقذفه أمواج تلك الصحراء يميناً ويساراً.
كان جهاز ملاحته يشير إلى أن الوقت المتبقي لوجهته لا يتجاوز الساعتين، وهكذا هو حال الصحراء، تخدع سالكيها حتى إذا أيقنوا أنهم قد أضاعوا الطريق بدأت تتلاعب بهم، فينظرون إلى السماء والاتجاهات فتنتفخ أوداجهم معرفة ويقيناً، وما علموا أن ذاك هو أول طريق الضياع والغرق في بحر الرمال الموحش.
وهذا ما حصل مع صاحبنا، إذ أخذ يعود أدراجه ظاناً أنه على الوجهة الصحيحة التي ستوصله إلى الطريق العام، فمضى حتى أوغل في الغرق أيما إيغال. وأظلمت الصحراء، وهنا شعر بالخوف وأخذ يكتم ذعره عن صغيره، وقال له إنهم سيمضون الليل هنا، وسيبيتون ليلتهم تلك في هذا الجو الجميل تحت النجوم.
وهكذا كان حالهما لبضعة أيام بلياليهن، باحثَيْن في النهار عن طريق النجاة، ومقيمَيْن في الليل، حتى انتهى ما عندهما من وقود، ونفد ما لديهما من ماء. فلما أيقن بالهلاك، ترك قارورة الماء عند صغيره ثم مضى بعيداً عنه، لأنه لا يريد أن يجمع على فلذة كبده خوف الضياع وألم احتضار أبيه أمامه، ولا يريد أن يجمع على نفسه أيضاً ألم الموت عطشاً وألم احتضار ابنه بين يديه، فهذا الموقف في مجمله - وإن نجا واحد منهما دون الآخر - سيجعل ما تبقى من عمريهما عذاباً لا يطاق.
ولكن قدميه لم تسعفاه إلا على المسير خلف كثبان رملية قريبة، وهكذا كان حال قلبه، فكان بين فترة وأخرى يُسمع ابنه صوته حتى يطمئن فلذة كبده وقطعة من روحه. ثم حلت على روحه نسمة إيمان، فرفع عينين دامعتين وقلباً كسيراً وقال: (يا الله.. يا الله.. يا الله)، ولم يحتج أن يشرح الحالة أو يقص الخبر على خالقه جل شأنه. وما إن غضّ عينيه حتى سمع ابنه يصرخ: (أبي.. هناك سَيَّارَةٌ)!
رفع رأسه ظاناً أن ابنه بدأ يهذي من العطش والشمس الحارقة، ولكنها بالفعل نجاتهما قد أرسلها الله لهما، فانتعش الفرح في قلبيهما، وأخذ الأب يجري حاملاً ابنه على ظهره خشية أن يغيب أولئك القوم في أمواج الصحراء المتلاطمة. وهكذا كتب الله النجاة لهما، وأقسم ذلك الرجل ألا يمضي في الصحراء وأمواجها القاتلة مجدداً.
فهل يعي أهل هذه الأرض الطيبة أن الصحراء لا تقل عن البحر فتكاً؟ وأن عليهم أن يتوخوا الحيطة والحذر عند عبورها حتى لا تُكتب أسماؤهم في صحيفة (مفقودو الصحراء).