مجلة شهرية - العدد (601)  | أكتوبر 2026 م- ربيع الثاني 1448 هـ

لم يكن أبي.. كان ملاكاً!

على بُعد خطوات من الهاوية، كانت تقف.. وعلى مسافة قصيرة من طريق الموت كانت تسير، ولم يكن في فكرها سوى قرار واحد، هو مواصلة السير وبأقصى سرعة. لم يكن الإيمان في أعماقها راسخاً شامخاً كالجبل، كما كان قبل ذلك، كان إيماناً متزعزعاً، وكانت غشاوة، وأية غشاوة؟ وكان احتراق قلب وإحساس مؤلم بالظلم. وفي لحظة يأس أغمضت عينيها وسارت خطوة أخرى، ولكن يداً حنونة امتدت إليها وجذبتها في اللحظة الأخيرة، وكانت النجاة.
نظرت حولها جيداً بقلب راجف، وجسد مرتجف، ونفس كئيبة، وعينين جامدتين، بحثت عن منقذها في ألم وحزن وامتنان، وقد عكست عيناها كل اعتراف بالشكر، وداخلها إحساس كبير بالمحبة لمنقذها، وهي ما زالت تبحث بعينيها عن صاحب تلك اليد الحنونة. آه، وصرخت بعمق، وأغمي عليها.
نقلها منقذها إلى سريرها واستدعى لها الطبيب.. خرجت من الأزمة بسلام، وعادت لها روحها تدريجياً.. ولما فتحت عينيها، إذ ببصرها يقع على الصورة الكبيرة المعلقة على الحائط، تنهدت في ارتياح، وشعرت بزلزال من السعادة. قالتها في سرها وكررتها عدة مرات، فقد مضت فترة طويلة عليها وهي لم تستمتع بجمال غرفتها، كانت تراها بعينين مغمضتين حتى مساء البارحة، أما اليوم فقد رأتها بصورة ثانية، وشعرت لأول مرة بوجودها وقيمتها، كما شعرت بجمال الحياة. الفترة القاسية التي مرت عليها وكادت تفقد حياتها ومستقبلها بسببها وتجني على نفسها ظلماً.
عادت بها ذاكرتها إلى الوراء، إلى أيام بداية ممارستها الكتابة عندما اكتشفت ذات يوم أنها تفضل المطالعة الحرة والقراءة الكثيرة على غيرها من الهوايات الأخرى، وأنها كانت تهوى حصة التعبير والمطالعة وتنتظرها بفارغ الصبر حينما كانت طالبة، وكانت تلتهم كل ما يقع في يدها من كتب دراسية ومجلات وقصص، وفي الإجازة الصيفية كانت تقضي وقت فراغها في الكتابة، تكتب كل ما يجول في خاطرها من مشاهدات يومية، ومن مواقف اجتماعية تصطدم بها في البيت، أو تلتقطها بإدراكها ونباهتها من خلال جلسات الضيوف الذين كانوا يأتون لزيارتهم، أو من خلال ما تسمعه من أقوال صديقاتها وقريباتها. فكانت تصنع منه القصة تارة، وتنسج منه المقالة تارة أخرى، وأحياناً تسطر الحكاية الصغيرة. كانت تجمع كل ذلك في كراسة... حتى يوم رأت في إحدى الجرائد دعوة مفتوحة للقراء للمشاركة في الكتابة، وسرعان ما استهوتها هذه الفكرة الرائعة، فدق قلبها طرباً وسروراً، وراحت تسأل نفسها: هل ألبي الدعوة وأحاول الكتابة؟ وهل سأنجح؟ وهل... وهل...؟ وامتلأ رأسها الصغير بهذه التساؤلات، وتخيلت نفسها وهي في غمرة سعادتها وقد نشر موضوعها، واسمها تحته بالخط الأسمر العريض (انتصار أحمد).. اهتزت سعادة وفخراً بنفسها، ولكنها وقفت حائرة متسائلة: ماذا تكتب؟ وما هي إلا لحظات حتى تدفقت الفكرة في رأسها واستحسنتها، ولِمَ لا، وهي تتحدث عن الأم، تلك الجوهرة المكنونة والشمعة التي تحترق من أجل أن تضيء لنا حياتنا؟ ولم تدع لنفسها فرصة للتفكير والبحث عن موضوع آخر، بل أخذت القلم وتناولت ورقة ومضت تكتب بكل ما تملك من مشاعر صادقة وأحاسيس فياضة.
مضى أسبوعان وهي تنتظر في كل يوم رؤية اسمها مدوناً على صفحات الجريدة، أو تقرأ رداً على موضوعها، فتحاول من جديد، المهم أن تعرف أن رسالتها قد وصلت وتخرج بنتيجة، سواء أكان فيها نجاح أو توجيه أو نقد يساعدها على المحاولة من جديد ويدفعها للاستمرار في الكتابة.. وطال انتظارها دون جدوى.
ومع مرور الأيام يئست من نشر موضوعها، ظانة أنه ضاع قبل أن يصل لمقر الجريدة، فنسيته. ذات يوم رن الهاتف في بيت عمتها، وكانت هي في ضيافتها منذ عدة أيام، رفعت السماعة وكانت صديقتها هي المتحدثة، فقالت بعد أن حيّتها: لقد قرأت موضوعاً في الجريدة اليوم وحسبتك أنت كاتبته. فكرت قليلاً، تذكرت أنك لم تقولي يوماً إنك سوف تكتبين في الجريدة، على الرغم من معرفتي المسبقة بحبك للكتابة، فقلت في نفسي إن الأسماء تتشابه أحياناً، ولم يذكر إلا الاسم الأول والثاني للكاتبة، هل..؟
فقاطعتها انتصار ودقات قلبها تتلاحق في فرح: ما اسم الموضوع؟ ردت صديقتها: إنه عن الأم، لكن لا أذكر عنوانه. قالت: بسرور بالغ: أمتأكدة أنت؟ أجل، الجريدة لدي. فقالت: الحمد لله، الحمد لله، إنه مقالي كما ظننت، ولكنك لم... فقاطعتها انتصار قائلة: لقد بعثته منذ مدة طويلة ويئست من نشره، ظننته ضاع. (وتابعت): بشّرك الله بالخير يا جواهر، لقد نجحت محاولتي. قالت جواهر: نسيت أن أخبرك. تساءلت انتصار: بماذا؟ قالت: هناك رد لك أيضاً؟ ماذا فيه؟ إنهم يطلبون منك الكتابة إليهم وينصحونك بالقراءة الكثيرة..
مرت الأيام سريعة، وانتصار تلتهم كل ما يقع في يدها، وتكتب كل ما جال بخاطرها، ووالدها يحضر لها ما تطلبه من الكتب ويدفعها بتشجيعه كلما كتبت مقالاً أو قصة، وكلما سمعت كلمة تشجيع ازدادت رغبتها وكبر طموحها، لم تمض سنوات قليلة حتى استطاعت أن تثبت وجودها في عالم الكتابة بقدرتها وموهبتها ومساعدة والدها، كما استطاعت أن تنجح في كتابة أكثر من نوع من أنواع الكتابة الأدبية.
وعلى الرغم من السعادة الكبيرة التي تعيش فيها انتصار على إثر نجاحها وبلوغها أول أمل من آمالها العراض، إلا أن الإحساس بالخوف والقلق على مستقبلها واستمرار نجاحها في هدوء واطمئنان كان لا يفارقها في كل لحظة فرح وانتصار.. فخوفها من خبايا الأيام وما تخفيه الأقدار وإيمانها بعدم دوام أية حال على حالها زرع في نفسها الخوف، وفي فكرها القلق، وسرعان ما تحول إحساسها بالخوف إلى حقيقة واقعة عندما كتبت رواية ونجحت، فعرض عليها تمثيلها كمسلسلة اجتماعية هادفة، وتلقت عرضاً آخر بطبعها وتسويقها، أحست بالدنيا تكاد تطير بها من فرط الفرح، ولكن كلمة من أمها بددت تلك الفرحة الكبيرة عندما قالت: (لا)، وأصرت بشدة على رأيها الخاطئ... لا لن تمثل، ولن تطبع!!
ماذا أقول للناس عندما يرون اسمك ويشاهدون ما صورته بخيالك؟ ماذا أقول عندما يسألونني عن.. وعن.. أين أهرب بوجهي منهن؟ العادات والتقاليد والجهل، وتمسك أمها بكل هذه المفاهيم، وإصرارها الشديد على اعتباره عيباً من العيوب التي لا تغفر ولا تنسى، هذا بالإضافة إلى وجود بعض من إخوتها يحرضون أمها ضدها بتسميم أفكارها وتخويفها مما قد يحدث مستقبلاً... مما جعلها تشعر بالإحباط، فهي تعيش في مجتمع شديد التحفظ وشديد التمسك بكل عاداته وتقاليده بما فيه من سيئ وحسن، وبالنسبة لها تعتبر شاذة من الشواذ، وخصوصاً وهي تأتي أمراً جديداً لم يسبق لفتاة من قبلها أن تأتيه في مجتمع كمجتمعها، لم ينفتح بعد جيداً.
احتارت انتصار ماذا تفعل، فهي تغوص في مشكلة عميقة صعبة الحل، هذا إن وجد لها حل؟ إنها لا تستطيع عمل شيء دون رضا أمها واقتناعها به، ولا تقدر على الاستسلام لرأيها، فتضيع بذلك أغلى أمل وأجمل حلم وأفضل فرصة جاء الحظ بها، وبعد محاولة مريرة لإقناع أمها أدركت أن لا فائدة من إقناعها... حاولت توسيط بعض قريباتها ممن وجدت عندهن بعض الإقناع، وتمنت لو أن والدها لم يكن مسافراً، لكان الآن واقفاً إلى جانبها... بعد رحلة طويلة مكللة بالآمال والمخاوف والقلق، جاءتها إحدى قريباتها تحمل لها خبر رفض أمها النهائي.. كانت الصدمة قوية ومرة وغير محتملة، فقد قضت على خيط الأمل الباقي لها، وحكمت بذلك على آمالها ومستقبلها الأدبي بالفشل وبالموت البطيء، وحطمت سعادتها بحرمانها من ممارسة حياتها الطبيعية، في مجال مواهبها كأية فتاة واعية مثقفة، فعافت نفسها الطعام وبدأ اليأس يطغى على كل مشاعرها، وتغير حالها، ولكن كان بحر الإيمان الذي يتدفق في أعماقها يصارع اليأس في نفسها فيتغلب عليه، وكانت الإرادة والعزم يدفعانها إلى المقاومة، كلما أشرفت على الغرق وخطت خطوة نحو الهاوية..
عاد والدها من سفره وارتاع لرؤيتها وعجب من تغير حالها، وقد تركها كوردة صباح ندية، بكت بمرارة وهي تقص ما حدث لها؟ وما حدث من أمها! وبعض إخوتها. بعد أن أدرك والدها حقيقة الأمر، شرد طويلاً مفكراً حائراً بين تفكير زوجته ومخاوفها من ثرثرة الناس، وبين مستقبل ابنته ونجاحها وطموحها، وهو الذي كان يشجعها ويفخر بما يسطره قلمها من إبداع...
رفع رأسه ونظر في وجهها مبتسماً، بعد لحظات حسبتها دهراً قال: تأكدي يا ابنتي الحبيبة أنني سأقف إلى جانبك حتى النهاية، ما دمت تمام الإدراك أن ما تفعلينه وما ستقومين بعمله ليس فيه أي عيب أو خطأ، واطمئني، سيتحقق كل ما تريدين، وقصتك ستنشر وستُمثل أيضاً، وستعجب أمك.. إن أمك تخاف عليك من أقاويل الناس، ولكن عندما أقنعها ستعرف أنك لم تفعلي ما يوجب خوفها وقلقها عليك.
فابتسمت في سعادة، وراحت تطوف بعينيها في وجهه، وقد أعاد إلى قلبها ونفسها الأمل والاطمئنان والرغبة في العيش من جديد، قالت: بصوت اختلطت فيه المحبة بالدموع والامتنان: لست أدري ماذا أقول لك، ولست أدري ماذا أفعل لأكافئك.. أجدني عاجزة عن فعل أي شيء لك، إنك أنقذتني من موت محقق ومن خيبة أمل كبيرة كدت أقع في شباكها. أنت يا أبي لم تكن أباً فقط.. أنت ملاك، وملاك عزيز على قلبي، حبيب إلى نفسي، قريب من روحي، فليحفظك الله دائماً سالماً لي، ويمد في عمرك يا ملاكي الغالي.

ذو صلة