مجلة شهرية - العدد (601)  | أكتوبر 2026 م- ربيع الثاني 1448 هـ

شعراء بكوا زوجاتهم

الفقد في موت الزوجة، بالنسبة للشعراء، أشبه بانهيار جزء من النظام الذي كانت تقوم عليه حياة الشاعر. فالزوجة في هذه النصوص ليست امرأة غائبة فحسب، وإنما هي قرينة، وأم، ورفيقة، وذاكرة منزلية، وأحياناً شريكة في صناعة الحياة ذاتها. ولذلك تبدو مراثي الزوجات مختلفة، في بعض وجوهها، عن المراثي التقليدية التي عرفها الشعر العربي في الأبناء والإخوة والأصدقاء والملوك.
من اللافت أن رثاء الزوجات، على امتداد تاريخ الشعر العربي، كان أقل حضوراً من رثاء الرجال من ذوي المكانة العامة. ولذلك تكتسب القصائد التي كتبها الشعراء في زوجاتهم أهمية خاصة، لأنها تنقل الرثاء من المجال الاجتماعي العام إلى الحميمية، حيث يصبح البيت نفسه موضوعاً للفقد، وتصبح التفاصيل اليومية جزءاً من شعر الموت.
في الشعر العربي تُقدّم قصائد جرير، ومحمود سامي البارودي، ومحمد مهدي الجواهري، ونزار قباني، ويوسف الصائغ، نماذج لافتة لهذا التحوّل. فبينما يقف جرير أمام قبر زوجته مستعيداً صورتها بوصفها (القرين) وأمّ أولاده، يجعل البارودي من موت زوجته مأساةً تمتد إلى بناته، ويرى الجواهري في رحيل زوجته انقساماً بين شقين كانا واحداً، بينما يحوّل نزار قباني زوجته بلقيس إلى شخصية تتجاوز الخاص إلى العراق والتاريخ والسياسة، ويذهب يوسف الصائغ إلى أقصى درجات الحميمية حين لا يعود الموت حاضراً في القبر وحده، وإنما في الأشياء التي تركتها المرأة وراءها.
جرير.. الزوجة الأم والشريك
في العصر الأموي، قدّم جرير مثالاً مبكراً ومهماً لرثاء الزوجة في قصيدته التي مطلعها:
لولا الحياءُ لعادني استعبارُ
ولزرتُ قبركِ والحبيبُ يُزارُ
وقد نسبت المصادر الحديثة القصيدة إلى رثاء زوجته أمّ حزرة، خالدة بنت سعد، وأبيات القصيدة كما هو مثبت في ديوان جرير ترد في عدد كبير من الأبيات.
بدأ جرير من مفارقة لافتة: الحزن موجود، لكنّ ثمة مانعاً اجتماعياً من إظهاره. فالحياء هنا لا يلغي الحزن وإنّما حاول ضبط مظاهره. ولهذا تأتي عبارة (لولا الحياء) بوصفها مفتاحاً نفسياً للقصيدة: الشاعر يريد أن يبكي، ويريد أن يزور القبر، لكنه يصطدم بصورة الرجل التي يفرضها المجتمع.
غير أن جرير سرعان ما يتجاوز هذا الحاجز ليقدم زوجته في واحدة من أكثر الصور الإنسانية حميمية:
ولَّهتِ قلبي إذ علَتني كَبْرةٌ
وذوو التمائمِ من بنيكِ صغارُ
فالزوجة هنا ليست موضوعاً للعشق وحده، إنها أمّ الأطفال الذين تركتهم وراءها. وأصبح غيابها مضاعفاً: غياب امرأة عن زوجها، وغياب أمّ عن أبنائها.
ثم تأتي عبارة: «نِعمَ القرينُ وكنتِ عِلقَ مضنَّةٍ» لتكثف معنى الزواج في الوعي الشعري القديم: إنها القرين، أي الشريك الملازم في الحياة. ومن هنا فإنّ رثاء جرير لا يقوم على تعداد مناقب المرأة العامة، وإنما على استعادة موقعها داخل الأسرة والبيت والحياة اليومية.
ومن اللافت كذلك أن جرير يستعيد الليل والنجوم بعد رحيلها: (أرعى النجومَ وقد مضت غورِيَّةً) وكأنّ موت الزوجة لم يتركه وحيداً داخل البيت فقط، وإنما دفعه إلى مواجهة ليل طويل لا ينتهي. فالنجوم التي كانت جزءاً من عالمه الطبيعي تتحوّل إلى علامات على وحدته.
وبذلك يقدّم جرير صورة للزوجة بوصفها القرين والأم ومصدر الأنس، ويظل الموت في قصيدته مرتبطاً بالقبر والأبناء والليل والذكرى.
البارودي.. خلاصة العدة والعتاد
إذا كان جرير قد ركز على علاقته الشخصية بالزوجة وعلى أثر غيابها في أبنائها، فإن محمود سامي البارودي ذهب إلى مساحة أكبر اتساعاً، إذ جعل موت الزوجة كارثة تصيب الأسرة كلّها.
كتب البارودي مرثيته وهو في منفاه، وقد بلغه نعي زوجته بعد نحو عامين من الغربة، فكان وقع الخبر شديداً عليه وعلى بناته. وتصف عدد من المصادر القصيدة بأنها من المراثي اللافتة في رثاء الزوجات، وأن البارودي عبر فيها عن حزنه وعن خوفه على بناته بعد غياب أمّهن.
يصرخ في مطلع المقطع الذي بين أيدينا:
يا دهرُ فيمَ فجعتني بحليلةٍ
كانت خلاصةَ عُدَّتي وعتادي
إن اختيار كلمة (حليلة) مهم، فالمرأة ليست مجرد زوجة بالمعنى الاجتماعي، فهي جزء من (العدة والعتاد) اللذين استند إليهما الشاعر في مواجهة الحياة. والمفارقة أن الشاعر الذي عُرف بالقوة والفروسية اعترف بأنّ الموت أصابه في موضع لا يستطيع فيه استعمال قوته.
ثم انتقل البارودي من (أنا) إلى (هنّ/هم):
إن كنتَ لم ترحم ضنايَ لبعدها
أفلا رحمتَ من الأسى أولادي
وهنا تتغير زاوية الرثاء. لم تعد الزوجة الميّتة مركز الحزن الوحيد، إذ أصبح الأطفال شاهداً حيّاً على حجم الخسارة، فقد بلغ المشهد ذروته حين قال:
ألقينَ دُرَّ عقودهنَّ وصُغنَ من
دُرِّ الدموعِ قلائدَ الأجيادِ
لقد تحوّلت زينة النساء إلى دموع. فالقلائد التي كانت تُصنع من اللؤلؤ أصبحت تُصنع مجازاً من الدموع. وهذه الصورة تكشف عن انقلاب عالم البيت بعد موت الأم: فما كان رمزاً للفرح والزينة أصبح علامة على الحداد.
البارودي هنا رثى امرأة كانت تقوم بوظيفة اجتماعية وعاطفية مركزية داخل الأسرة. وإذا كان جرير قد رثى (القرين)، فإنّ البارودي رثى (الأم التي غاب البيت بغيابها).
وحين نضع القصيدة في سياق المنفى تزداد قيمة هذا البعد، فالبارودي لم يكن إلى جوار زوجته في لحظة موتها، وإنما تلقّى خبر رحيلها بعيداً عنها. وهكذا اجتمع في القصيدة فقدان: فقد الزوجة، وفقد القدرة على وداعها. وهذه المسافة الجغرافية تضاعف المسافة النفسية.
الجواهري.. شراكة في المصير
مع محمد مهدي الجواهري تدخل مرثية الزوجة مرحلة مختلفة. ففي قصيدته التي بدأت بالنسبة لي من قوله:
مدّي إليَّ يداً تُمْددْ إليكِ يدُ
لا بدَّ في العيشِ أو في الموتِ نتّحدُ
لا يتحدث الشاعر عن زوجته بوصفها جزءاً من الأسرة فحسب، وإنما يذهب إلى تصور الزواج باعتباره وحدة وجودية.
إنّ الفعل (نتّحد) هو مركز القصيدة. فالموت لا يُثْبِت الانفصال، لكنه يصبح في المخيلة الشعرية محاولة لاستعادة الوحدة التي كسرتها الوفاة:
كنا كشِقَّينِ وافى واحداً قدرٌ
وأمرُ ثانيهما من أمرهِ صَدَدُ
فالزوجان في ذاكرة الجواهري ليسا شخصين منفصلين، لكنهما (شقّان) لكيان واحد. ومن هنا تأتي شدة الفاجعة، فالذي فقده الشاعر ليس شخصاً خارج ذاته، وإنما نصف الكيان الذي كان يشعر بأنه يتكون منه.
أما مناجاة القبر في القصيدة فتصبح نوعاً من محاولة اختراق الموت:
ناجيتُ قبركِ أستَوحي غياهبَهُ
عن حالِ ضيفٍ عليهِ مُعجَلاً يفدُ
القبر هنا ليس نهاية الحوار، ولكنّه بداية حوار جديد. فالشاعر يسأل القبر عن زوجته، وكأنه يرفض أن تتحوّل إلى غياب صامت. لكنّ أجمل ما في القصيدة ربما يظهر في استعادة وظيفة الزوجة داخل الأسرة:
غطّى جناحاكِ أطفالي فكنتِ لهم
ثغراً إذا استيقظوا، عيناً إذا رقدوا
إنّ الصورة هنا تجعل الزوجة أشبه بجناح يحمي الأطفال. فهي الأم التي تحرسهم في يقظتهم ونومهم. وبذلك تتقاطع مرثية الجواهري مع مرثية البارودي، لكنّ الجواهري يمنح الصورة بعداً شعرياً أكثر كثافة، فالأم تصبح (جناحين) للأسرة.
وإذا كان جرير قد قال (نِعْمَ القرين)، فإنّ الجواهري وسّع مفهوم القرين حتى أصبح اتحاداً وجودياً: فالزوجة ليست قرين الشاعر فحسب، لكنّها شقه الآخر أيضاً.
نزار قباني.. رثاء العالم
مع نزار قباني حدث تحوّل حاسم في رثاء الزوجة. فبلقيس ليست فقط زوجة فقدها الشاعر، وإنما امرأة ارتبط موتها بحادث سياسي، فقد قُتلت في تفجير السفارة العراقية في بيروت عام 1981، وكتب نزار قصيدته الشهيرة (بلقيس) بعد أيام قليلة من اغتيالها. ولهذا لا يمكن قراءة (بلقيس) باعتبارها مرثية شخصية خالصة، وإن كانت قد بدأت من الجرح الخاص، لكنها سرعان ما تحوّلت إلى خطاب عن العالم العربي كله.
(بلقيس.. يا وجعي..
ويا وجع القصيدة حين تلمسها الأنامل)
فالشاعر هنا لا يرثي المرأة وحدها، بل يرثي معها (القصيدة) التي أصبحت عاجزة عن احتمال الفاجعة. فيستدعي العراق:
(يا نينوى الخضراء..
يا غجريتي الشقراء..
يا أمواج دجلة)
لتتحوّل (بلقيس) من امرأة فردية إلى علامة ثقافية وحضارية. هي العراقية التي تختصر في جسدها العراق، وأصبح فقدها فقداً لجزء من صورة الوطن.
ثم تأتي الصرخة السياسية:
(قتلوكِ يا بلقيس..
أيّةُ أمةٍ عربيةٍ
تلك التي تغتال أصوات البلابل؟)
فالرثاء هنا تجاوز حدود الحجرة والبيت والقبر. فقاتل بلقيس أصبح موضوعاً للسؤال السياسي والتاريخي، وتحوّلت الزوجة إلى مدخل لمحاكمة واقع عربيٍّ كامل.
وهذا ما جعل (بلقيس) في قصيدة (نزار) مختلفة جذرياً عن قصائد جرير والبارودي والجواهري. ففي تلك القصائد كان موت الزوجة يعيد الشاعر إلى الداخل: الأسرة، الأطفال، القبر، الذكريات. أما عند نزار فإنّ موت الزوجة دفع الشاعر إلى الخارج: الوطن، الأمة، التاريخ، الحرب، العنف والسياسة.
ومع ذلك فإنّ القصيدة لا تفقد بعدها الحميمي. فكل هذا الخطاب العام يعود في النهاية إلى امرأة واحدة اسمها بلقيس. ومن هنا تأتي قوة القصيدة، أنها جعلت الخاص مرآة للعام.
يوسف الصائغ.. المأساة الكاملة
أما يوسف الصائغ فقد قدّم مثالاً أكثر حداثة لرثاء الزوجة؛ إذ ارتبطت تجربته الشعرية في ديوانه (سيدة التفاحات الأربع) بفقد زوجته (جولي) في حادث سير في تركيا، وقد تناولت دراسات ومقالات عديدة هذه التجربة بوصفها من أبرز تجارب الرثاء في شعره.
وفي قصيدته:
(إذا انتصف الليل.. واسودَّ
ليل بلا قمرٍ أو نجوم
وصار الندى مبهماً في الحديقة
سيّدتي
ستجيء كعادتها
ستعبر هذا الممرّ الكئيب
وتمشي على العشب حافية
لحظة
وأرى وجهها، ملتصقاً في زجاجة نافذتي من هنا)
فالرثاء هنا لا يبدأ من القبر، وإنما من الانتظار، (ستجيء كعادتها)، هذه الجملة البسيطة حملت مأساة كاملة. فالزوجة الميتة ما تزال، في وعي الشاعر، تأتي في موعدها المعتاد، وتعبر الممر، وتمشي على العشب. فالموت هنا لم يمحُ عادات الحياة، ولذلك يصبح الاعتياد نفسه مصدراً للألم، الألم الذي يُظْهِر وجه المرأة على زجاج النافذة: (وأرى وجهها، ملتصقاً، في زجاجة نافذتي) لكنها ليست عودة حقيقية، إنّها امرأة ميّتة بالفعل، لكنّها مازالت تعيش في الذاكرة، يستعيدها الشاعر في تفاصيل جسدية وحسية دقيقة: الشَّعَر، الأصابع، الخاتم، الوسادة، العطر، القميص، ويسائلها: (أهذا، إذن، كل ما يتبقى من الحب)؟
وهنا بلغ الرثاء الحديث ذروة مختلفة، فالمرأة لا تبقى في القبر فقط، ولا في صورة الميّتة، وإنما تتوزع في الأشياء التي خلّفتها: شَعَرة على الوسادة، زجاجة عطر علاها الغبار، قميص يحمل أثر جسدها. وبذلك يصبح الشيء اليومي قبراً صغيراً للذكرى. وهذا أحد أهمّ الفروق بين الرثاء القديم والرثاء الحديث في النماذج التي بين أيدينا. فجرير نظر إلى القبر، والبارودي استعاد البيت والأسرة، والجواهري ناجى القبر واستعاد صورة الأم، ونزار حوّل موت بلقيس إلى مأساة عربية، أما الصائغ فبحث عن المرأة في الأشياء التي تركتها وراءها.
المرأة المرثية والمرأة الخالدة
إذا جمعنا هذه التجارب الخمس، أمكننا ملاحظة المسار في تطوّر صورة الزوجة داخل القصيدة، عند جرير هي (القرين) والأم، وأتى الرثاء من داخل نظام الأسرة. وعند البارودي أصبحت الزوجة مركز البيت، وظهر موتها في دموع البنات وفي انهيار الأسرة. وعند الجواهري تحوّلت إلى (الشِّق الآخر) من الذات، فأصبح موتها انفصالاً وجودياً. وعند نزار تجاوزت المرأة ذاتها لتصبح (بلقيس) رمزاً للعراق، ويصبح رثاؤها محاكمة للتاريخ والسياسة.
أما عند يوسف الصائغ فقد تفتّتت صورة المرأة في الذاكرة إلى مشاهد وأشياء: وجه على الزجاج، خاتم، عطر، قميص، ووسادة.
في قصائد الرثاء التي مررنا بها تخليد متبادل: فالشاعر منح زوجته لغة تتجاوز الموت، والزوجة منحت الشاعر قصيدته الأكثر صدقاً في مواجهة الفقد.

ذو صلة