تُعَدُّ قضيةُ اللفظِ والمعنى من أكثر القضايا النقدية حضوراً في التراث العربي، حتى وُصِفَت بأنها (المسألة الكبرى) التي شغلت النقاد والبلاغيين منذ القرون الأولى. وقد ارتبط هذا الجدل بالإعجاز القرآني، وبمحاولة تحديد موضع الجمال، والبلاغة، والإبداع، والقيمة في النص: أهو في اللفظ وصياغته، أم في المعنى ودلالته، أم في العلاقة التي تنشأ بينهما داخل السياق؟ وأدّى هذا الارتباط إلى نشوء مدارس نقدية متعددة، لكل منها رؤيتها في تحديد القيمة الجمالية للنص الأدبي، وفي فهم طبيعة الإبداع. ويهدف هذا المقال إلى تتبّع أبرز مواقف النقاد القدامى من هذه القضية، وتحليل الأسس التي قامت عليها آراؤهم، وصولاً إلى إبراز أثر هذا الجدل في تشكيل مفهوم الصورة الأدبية في النقد العربي.
يُعدّ الجاحظ من أوائل النقاد الذين أثاروا هذه القضية، إذ منح اللفظ مكانة مركزية في العملية الإبداعية، ورأى أن التفاضل بين الكلام إنما يكون في جودة الصياغة وحسن السبك. واشتهر قوله: (المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والقروي والبدوي)، وهو قول يقرر أن الناس يتفاضلون في القدرة على صياغتها. وفسّر بعض الباحثين هذا الموقف بأنه نابع من طبيعة الجاحظ نفسه، ومن البيئة الثقافية التي عاش فيها، حيث ازدهرت الكتابة الديوانية، وارتفعت قيمة البلاغة اللفظية. ومع ذلك، فإن الجاحظ لم يكن متطرفاً في موقفه، فقد عاد ليؤكد أن الشعر لا يُترجَم، وأن بعض المعاني لا تُسرق، مما يدل على إدراكه لأهمية المعنى في بعض المواضع، وإن ظلّ اللفظ عنده هو المظهر الأبرز للقيمة الفنية.
وسار أبو هلال العسكري على خطى الجاحظ، فاعتبر أن جمال الكلام يقوم على سلاسته ونصاعته وتخير ألفاظه، بينما يكفي في المعنى أن يكون (صواباً). وقد جعل العسكري معيار التفاضل بين الأدباء قائماً على مهارة الصياغة، لا على عمق المعنى، وهو ما يتضح في قوله إن الكلام يحسن (بسلاسته وسهولته ونصاعته وتخير ألفاظه). ويبدو أن هذا الاتجاه كان انعكاساً لمرحلة ثقافية كانت تُعلي من شأن البلاغة اللفظية، وتربط بين جودة الأسلوب ومكانة الكاتب في المجتمع.
وفي مقابل هذا الاتجاه، ظهر رأي آخر يمثله ابن قتيبة وقدامة بن جعفر، يقوم على الجمع بين اللفظ والمعنى، ورؤية القيمة الفنية بوصفها نتاجاً لتكاملهما. فقد قسّم ابن قتيبة الشعر إلى أربعة أصناف: حسن اللفظ وجيد المعنى، حسن اللفظ وضعيف المعنى، جيد المعنى وقاصر اللفظ، ورديئهما معاً. وهذا التصنيف يمثل رؤية نقدية متوازنة ترى أن جودة النص لا تتحقق إلا بتكامل الطرفين، وأن أي خلل في أحدهما ينقص القيمة الفنية للعمل الأدبي. وسار قدامة بن جعفر على هذا النهج، فقرر أن اللفظ والمعنى قسيمان في تحمل مظاهر الجودة والقبح.
ثم جاء اتجاه ثالث يمثله ابن رشيق وابن الأثير، يقوم على رفض الفصل بين اللفظ والمعنى، والنظر إليهما بوصفهما وحدة واحدة. فقال: (اللفظ جسم وروحه المعنى)، وهي استعارة تكشف عن رؤية وجودية للعلاقة بين الطرفين، تجعل اللفظ والمعنى في منزلة الروح والجسد، لا يمكن تصور أحدهما دون الآخر. وسار ابن الأثير على هذا النهج، معتبراً أن تحسين اللفظ ليس غاية في ذاته، بل هو خدمة للمعنى، وأن العناية بالألفاظ إنما هي عناية بالمعاني نفسها.
ثم جاء التحول الأكبر مع عبدالقاهر الجرجاني، الذي تجاوز ثنائية اللفظ والمعنى، وابتكر مفهوم (النظم)، وهو العلاقة التي تنشأ بين اللفظ والمعنى داخل السياق. فالبلاغة -في رأيه- ليست في اللفظ وحده ولا في المعنى وحده، بل في طريقة تأليفهما، وفي العلاقات التي تربط بين الكلمات داخل الجملة. واللفظ لا قيمة له خارج سياقه، وأن المعنى لا يتحقق إلا من خلال النظم، وهو ما جعله يؤسس لرؤية جديدة في فهم البلاغة العربية. وقد مثّل هذا المفهوم ثورة نقدية حقيقية، إذ نقل النقاش من مستوى المفاضلة بين اللفظ والمعنى إلى مستوى أعمق يتعلق ببنية الخطاب نفسه.
ووجد هذا الجدل صداه في النقد الغربي الحديث، حيث أكد نقاد مثل دي جورمون (D›gourmon) وكلينث بروكس ((Clint Prox استحالة الفصل بين الشكل والمضمون، وأن الأسلوب والفكر شيء واحد. وتبنّى النقاد العرب المعاصرون هذه الرؤية، مثل أحمد الشايب وبدوي طبانة وشوقي ضيف، بتأكيدهم أن اللفظ والمعنى يشكلان وحدة فنية لا تتجزأ، وأن أي محاولة للفصل بينهما هي محاولة مصطنعة لا تعكس طبيعة الإبداع الأدبي. وقد ذهب شوقي ضيف إلى أن (المضمون يتحد مع الشكل)، وأن النموذج الأدبي لا يمكن تصوره إلا كياناً واحداً يجمع بين الإحساس والفكرة واللغة.
إن تتبّع هذا الجدل الطويل يكشف أن الصورة الأدبية في التراث العربي لم تكن يوماً قائمة على عنصر واحد، بل كانت نتاجاً لتفاعل معقد بين اللفظ والمعنى، وبين الشكل والمضمون. فاللفظ هو الجسد الذي يحمل المعنى، والمعنى هو الروح التي تمنح اللفظ حياته، والنص الأدبي لا يكتمل إلا باتحادهما. وقد أدّى هذا الجدل إلى بلورة مفاهيم نقدية عميقة، أسهمت في تطوير البلاغة العربية، وفي فهم طبيعة الإبداع الأدبي، وفي تحديد معايير الحكم على النصوص.
إن معركة اللفظ والمعنى لم تكن مجرد خلاف نقدي، بل كانت محاولة لفهم جوهر الإبداع، وتحديد موقع الجمال في النص، وتفسير سرّ تأثير الأدب في المتلقي. وقد أثمرت هذه المعركة عن رؤى نقدية متباينة، لكنها جميعاً أسهمت في إثراء الفكر النقدي العربي، وفي توسيع آفاق البحث في البلاغة والأدب. ومن هذا الجدل تبلورت فكرة أساسية مفادها أن الإبداع الأدبي لا يقوم على اللفظ وحده ولا على المعنى وحده، بل على العلاقة التي تنشأ بينهما داخل النص، وهي العلاقة التي تمنح الأدب قيمته الفنية وقدرته على التأثير.