عرف تراثنا النقدي شعراء القصيدة الواحدة، وهم طائفة من الشعراء شاعت على ألسنة الناس قصيدة واحدة من شعرهم، طغت على ما قالوه جميعًا. أو بسبب ضياع مجموع شعره فلم يتبق منه إلا قليلاً، أجوده هذه القصيدة، ومن هؤلاء عمرو بن كلثوم وعبيد بن الأبرص ودوقلة المنبجي والمنخل اليشكري، وابن زريق البغدادي وغيرهم، ولا شك أن هذا المفهوم قد يرتبط بعامل فني وخصوصية وفرادة، وقد يرتبط بعامل كمي ينظر إلى الغزارة الشعرية وكثير الإنتاج، فإما أن قصيدته تلك هي التي كتب لها الذيوع والانتشار، وإما أن الأمر يرتبط بمحصول الشاعر من الشعر وتنوع إنتاجه، ولا شك أن الأمرين قد يتآزران، بل ربما أضفنا عاملاً ثالثاً يرتبط بسياق إنتاج هذه الفرائد التاريخية والاجتماعية، بما لا ينفي وجود قصائد أخرى له أقل جودة وأقل ذيوعاً، ولعل ابن سلام الجمحي (ت 232) وهو حين أطلق هذا اللفظ، لم يقصد إلا الجانب الإبداعي والجودة الفنية، وتبعه في ذلك نقاد وشعراء كثر. أما الغريب فهو ظهور هذا النوع من الشعراء في العصر الحديث لأسباب مغايرة، أبرزها ارتباط القصيدة بالغناء، خصوصاً إذا كان المغني صاحب شهرة واسعة، فذاعت تلك القصيدة على ما سواها من شعره، ولعل خير من يرتبط بهذا الاسم شاعر الأطلال إبراهيم ناجي، حيث ارتبط اسمه بتلك القصيدة بعد غناء أم كلثوم لها عام 1966، وقد لا نجافي الحقيقة حين نقول إن الأطلال كانت نعمة ونقمة على ناجي، فقد كفلت له شهرة طوفت الآفاق بعد أن صدحت بها كوكب الشرق، لكنها في الوقت نفسه طمست ملامح تجربة أدبية وفكرية شديدة الأهمية لم يلتفت إليها كثيرون ممن تترجموا لحياة الشاعر ومسيرته الأدبية، وفي ذلك غمط لمنجز لا يعرف عنه كثير من الأدباء والنقاد إلا القليل. ومن هنا تأتي أهمية كتاب الناقدة المصرية سامية محرز (إبراهيم ناجي، زيارة حميمة تأخرت كثيراً).
الجد والحفيدة
وقفت الحفيدة سامية محرز، التي ولدت بعد عامين من وفاة جدها إبراهيم ناجي، أمام الإرث الذي وصل إليه منه والأواصر التي تربطها به بدءاً بتشابه الملامح الجسدية، مروراً بعلاقتها المرتبكة مع شعره الذي كان مقرراً عليها في المدرسة، وموقفها المتوجس منه لفترة طويلة، حتى جاءت زيارتها المتأخرة لما وصل إليها من إرثه المكتوب والمترجم، وقد حاولت حفيدة ناجي أن تميط اللثام عن كثير من الجوانب الخفية من حياة ناجي الأدبية، فكشفت عن التباس علاقتها بجدها طوال هذه الفترة من جهة، والتباس علاقتها بقصيدة الأطلال التي لم تكن تحبها في بداية حياتها، بحكم دراستها الفرنسية، ثم تحول هذا الصد إلى وله وعشق ظهر في ثنايا كتابها عن جدها، ورغم نبرة الاعتذار البادية في العنوان، فإن الكتاب يمثل نقلة نوعية ومختلفة عن كل ما كتب عن ناجي من قبل، وما أشيع عنه فيما يخص محبوباته، ومن ملهمته التي نظم فيها قصيدته الأطلال أو إن شئت قلت قصيدتيه الأطلال، لأنها كشفت أن الأطلال مزاج من قصيدتين ألَّف بينهما صديقه الشاعر أحمد رامي لتناسب الغناء الكلثومي.
ومن خلال التقليب في أوراق ومذكرات ورسائل مضى عليها ما يقترب من القرن إلا قليلاً، تقدم محرز وجبة دسمة في كيفية بناء سيرة الشاعر وضبط كثير من المعلومات المغلوطة عنه، إضافة إلى جانب إنساني آخر يتعلق بمعاناته في حياته الوظيفية، وما تركه ذلك من أثر استمر لما بعد موته في صورة ديون كان على الأسرة المكونة من أرملة وثلاث بنات أن تتحملها من بعده.
لم تهدف محرز إلى كتابة سيرة جدها من خلال أوراقه، لكنها تركت لنفسها العنان في تتبع علاقتها بجدها وما مرت به من منعطفات، وهي التي ولدت بعد وفاته بعامين، وتحولات تلك العلاقة وصولاً إلى توطد الصداقة بينهما، كما تضيف بعداً آخر يتعلق بكونها ناقدة أدبية تركت لفكرها النقدي الفرصة للاستقراء والتحليل، وتقييم المواقف والخيارات الحياتية والعاطفية والاجتماعية التي مر بها جدها، وحاولت تحليلها تحليلاً نقدياً للوصول إلى تفسير مقبول لتلك الخيارات.
قصة الملهمة الأولى
كثيراً ما كان ناجي يهدي قصائده لملهمات يشير إليهن بحرف أو حرفين، وهو ما لفت انتباه دارسي سيرته الذين ترجموا له، وهنا تبرز أهمية زيارة محرز لإرث جدها ودور التقليب في أوراق ناجي وخطاباته في استجلاء تلك الملهمة وتحديد شخصيتها تحديداً دقيقاً، وكان لناجي نفسه دور في إثارة تلك القضية من خلال تكتمه الشديد والاكتفاء بالإشارة إليها بحرفي اسمها (ع. م)، إضافة إلى استمرار هذا الحب ودوره في مسيرته الشعرية. كانت علية الطوير، وهذا هو اسمها، هي حب ناجي الأكبر، والذي ظل ينمو عبر السنين مستولياً بصورة متزايدة على حواسه وخياله، بل لم يتوقف الأمر عند توجهه الشعري، بل يعزى إليها الفضل في تعلم اللغة الفرنسية والترجمة منها، وكتابة القصة الرامزة لعلاقتهما، فهي ليست ملهمته الأولى فحسب بل إنها قد تكون المسؤولة عن توجهات مهمة في تاريخه الأدبي، كما تقول محرز، وهو ما فتح الباب واسعاً للاختلاق والتلفيق، بيد أنها تصل من خلال عدة ملابسات ومفارقات عائلية إلى حقيقة تلك الشخصية في الواقع من خلال لقائها بحفيد من أحفاد تلك الملهمة التي أصيبت بالاكتئاب لرفض زواجها من ناجي، وبعيداً عن ملابسات تلك العلاقة التي فصلت فيها محرز القول، نجد أنها تكشف تهافت كثير من الآراء حول هذا الموضوع، وتعطي زيارتها لجدها أهمية خاصة في استجلاء حقيقة الملهمة الأولى التي كتب فيها ناجي رائعته الأطلال، ومما يثير العجب والشجن في آن أن تلك الملهمة عاشت أعوامها الأخيرة تعاني من الاكتئاب وتؤكد لنساء العائلة أن الأطلال كتبها ناجي لها وعنها ولكنها لم تنل غير السخرية.
المترجم والولع بشكسبير
ومن خلال أوراق ناجي الشخصية سلطت محرز الضوء عن ناجي المترجم والباحث النفسي المولع بشكسبير والحريص على ترجمة سونتاته شعراً، وكان لتأخر نشر مسودات ترجمته لها دور في ضياع فرصة أن يكون ناجي المترجم الأول بعد تعدد الترجمات وتواليها، وفي كتابه كيف تفهم الناس يخصص مقالاً عنوانه مركب أوديب أو سيكولوجية هاملت ليحلل شخصيته تحليلاً نفسياً، ويتتبع نمطها عبر العصور، بل نجده يتماهى معها في تجاربه ومسيرة حياته العاطفية، بل تجاوزت ذلك إلى علاقة تداو، إذ مثل تماهي ناجي مع شكسبير وهاملت علاقة علاجية شافية على المستويين الإبداعي والنفسي، كما انشغل بترجمة أغانيه التي ما زالت مخطوطة لدى الحفيدة، وإلى جوار صديقه الحميم شكسبير قام ناجي المترجم بترجمة قصص وقصائد أخرى لشعراء كبار أمثال بودلير وإليوت وشيلي ولامارتين ولويجي بيراندللو..إلخ. وإلى جوار تلك الترجمات الرائدة ضمنت محرز كتابها وثائق ورسائل بخط ناجي نفسه، إضافة إلى مسودات قصيدة الأطلال، وعدد من ترجمات ومشروعات أدبية ونقدية لم يمهله الموت أن يكملها.