البطاقة التي اختلستُها من مكتب (أبصر)، كانت جوازي الصغير لأعرفَ المدينة الكبرى..
طوال الطريق ظللتُ أتخيل يوماً حافلاً بالمجمعات التجارية، والمطاعم والشوارع التي سمعتُ عنها ولم تكن في بلدتنا الصغيرة.
قبل انطلاق الحافلة إلى العاصمة من نهاية كل أسبوع، تمارس أمي طقسها العسكري، تمدُّ يدها إلى حقيبتي لتفتشها، أراوغها وأتعذر بالتأخر، كي لا تكشف أقلام الكحل، وأصابع الحمرة، وطلاء الأظافر، والعباءة الأخرى التي سأرتديها صباحاً في طريقي إلى الجامعة.
أحلم في الليالي أنني أقفز من السور العالي لسكن الطالبات، سور يتعهده (أبصر) كحارس حرمْلِك أمين، يواظب على طلاء حائطه الخلفي من عبارات الغزل والعشق والبذاءة، يحفظ أسماءنا واحدة واحدة، ويقرأ أمزجتنا الصاعدة والهابطة في مكوك الامتحانات أو مكوك الهرمونات، فعشرون سنة في الحراسة تكفي أن تجعل منه خبيراً..
(أبصر) رجل باكستاني أشيب، وقارهُ ومسحة الحنان في أفعاله وقعتا في قلبي، تماماً في المنطقة الفارغة من أبي الطاعن في السن، وصورته المنصهرة في فراش المرض، وقع ذلك حتى دون الدهاء الذي سأعرفه وسأتجاهله من حيث أريد، ومن حيث أرضى بقبلة مبهمة على رأسي ذات ليلة من ليالي نهاية الأسبوع حين أحضرَ لي التلفاز كخدمة خاصة لغرفتي، ولأفلت من أقفال أخي، حين أوصى (أبصر) بلهجة قاطعة: لا خروج لها مطلقاً، ولا أذونات عبر البطاقات ولا غيرها.
استثمرتُ تعاطف (أبصر) إزائي، وذات يوم مددتُ له بطاقة الخروج الممنوعة موقعةً من ولي أمري، أخذ دورة بكرسيه ثم نظر إلي من الفتحة المربعة في الحاجز الزجاجي حيث يجلس، نظرة بابتسامة، ورددتها ضحكة بغمزة، تردّد في فتح البوابة، لكنه مرر البطاقة كما يمرر أبٌ إلى فمه قطعة شوكولاتة مقضومة من يد طفلته الصغيرة، وفي تلك الليلة خرجتُ، مع ريهام زميلتي في الصف الجامعي التي دعتني إلى نُزهة مجانية مع سائق منزلهم الخاص.
كانت الأحلام الموعودة قد هبطت في المدينة الكبرى، مدينة بعيدة وها أنا على أرضها ولا من داعٍ لأن أختبئ أو أخاف! هكذا طمأنتُ نفسي وأنا أراقب وميض سيارة سوداء أثارت قلقي، كانت تتبعنا منذ أن تحركنا من بوابة السكن، وما كانت إلا دقائق معدودة حتى توقف السائق على جانب الطريق، نزل من السيارة المجاورة عدد من الرجال بثيابهم القصيرة ونتف من عيدان السواك المبصوقة على الإسفلت والمتطايرة مع الكلمات الآمرة، وبالعنجهية المعهودة اقتادوني وصديقتي دون أي مقاومة منا.
بالكاد استطعت استيعاب الموقف حتى وجدتُ نفسي في غرفة خاوية، وأضواء النيون تتسلط على كل تفاصيلي، لم يبدُ لي الوضع غريباً، فهذه الجدران أعرفها تشبه تلك التي أحبس نفسي بينها كلما امتلأ كأسي من صراخ أمي وغضبها علينا.. كلما أثقل كاهلها عبء سبع فتيات وولد وحيد مكدود، أغمضتُ عينيّ ودعوتُ أن ينتهي الليل المشؤوم قبل أن يطلع الصبح على غيابي وتقع الكارثة في البيت.
بعد ليلةٍ ما كادت تنقضي، أخذوني إلى غرفةٍ أخرى، بدت غرفة المسؤولة عن النزل النسائي، حين سحبتْ حقيبة من بين حقائب متكدّسة على رف وأمرتني أن أبدل ملابسي تنبهتُ أنني طرف مقابل في عمل بديهي، مكان يتعامل بروتينية غاية في البلادة، في حين أنني ماكنت أستفيق من غرابة الموقف ولم يخطر في مخيلتي هذا المكان المسمى بالنزل النسائي.
مدت المسؤولة نحوي ورقة لأوقعها، فاصفرَّ وجهي وارتجفتْ يداي وماجت الغرفة في نظري حين قرأتُ كلمة تعهد، فذلك إجراء كفيل بأن يقفل علي باب الأحلام إلى الأبد، وجدتني أمسك يديها متوسلة أن تستبعد أمر التعهد، وأقسمتُ أنني لن أكررها، خفق صدري بشدة، أخبرتُها أنني لم أرتكب خطأ وأنني خرجتُ مع صديقتي بإذنٍ من أهلها، لكنها قاطعتني بصرامة (أنت خرجتِ مع رجل غريب من غير محرم!)
تسلمتُ حقيبتي، كان هاتفي مفرغاً من كل الصور والأغنيات، راحت أصابعي المرتجفة تبحث عن رقم أخي، قالت (ستنتظرين هنا ريثما يقدم وليُّ أمركِ لاستلامكِ)..
كان وجهُ أخي كقطعة جليد ملساء حين رأيته، والعاصمة بدت في وضح النهار بلا حركة ولا ظلال، وحدها كلمة استلامك كانت تمرر على نظري صورة متتالية لنعجة شريدة تركض في الشوارع..
دخلتُ غرفتي متجاهلةً قلق زميلات السكن وغضب مسؤولة شؤون الطالبات، ذهبتُ للاستحمام، ثم حثَثْتُ عينيّ على النوم، بعد ليلة خطفت من عقلي كل الاحتمالات. سحبتُ الغطاء إلى وجهي، وقلت هذه كوابيسي، هذه مخاوفي، لم يحدث شيء، غداً أذهب للجامعة، وفي عودتي سأطلب من (أبصر) أن يحضر لي آيس كريم بنكهة التوفو المفضلة لدي..
لكن الصباح كان قاطعاً..
اختفى (أبصر) من غرفة الحراسة عند مدخل البوابة، وبقي كرسيهُ الدوّار ذو الجلد المتقشر والذي يخفيه بفراشِ وثير من صوف الخراف فارغاً!