مجلة شهرية - العدد (599)  | أغسطس 2026 م- صفر 1448 هـ

مطر في الوقــت الضائع

- لم تمطر.
قالت أمي بصوت بعيد بالكاد سمعته عبر الهاتف، صمتت لبرهة ثم أردفت:
- كانت على وشك أن تمطر، نفّت قطرات فقط، كانت الغيوم تسد الأفق، وبدت أنها ستمطر بغزارة، لكنها لم تمطر، كأن السماء أجهضت.
قلت:
- ستمطر، ما زال الشتاء في أولّه، نحن في كانون الأول، ومازال في الشتاء شهران، ستمطر.
قالت:
- عادة في مثل هذا الوقت تكون قد أمطرت على الأقل ثلاث ريّات، حتى في سنوات المحل، هذه السنة عجيبة.
قلت:
- لا بد أن تمطر، ستمطر.. ستمطر بإذن الله.
هذه ثاني مرة أتصل بأمي وتبدو قلقة من تأخر المطر، أعرف حبها للمطر وعادتها في القلق من تأخره إلى درجة تبدو فيها لجوجة وكأنها تستحث السماء على ذلك.
بعد عدة أيام اتصلت وقالت:
- كأن المطر استعصى على السماء، الأرض تبدو وكأنها محروقة.
قلت:
- ستمطر وتنتعش الأرض، ستمطر ولو بعد حين..
قالت:
- شجرة الليمون انكمشت أوراقها، صارت ككف امرأة عجوز.
ضحكت وأردفت:
- أوراقها صارت كيديّ الملمومتين، والمطر لم يهطل، إن بقي الوضع هكذا لا بد من سقيها بأية وسيلة.
قلت:
- لا تقلقي لن تموت، مرات وصلت إلى هذا الوضع ثم عادت وانتعشت من جديد، إن لم تمطر سنسقيها، اهتمي بصحتك فهي الأهم.
منذ شهر كان علي أن أقوم بزيارة لأمي، شغلتني عن ذلك ظروف طارئة، لا بد أن أقوم بزيارتها في أقرب وقت. فقد صرت قلقاً بشأن المطر، أتطلّع إلى السماء ملاحقاً الغيوم، أتابع نشرات الأحوال الجوية، وأترقب المطر بلهفة وقلق، أتصل بأمي بعد ذلك وأسألها: هل أمطرت؟
جوابها لا يتغيّر: لم تمطر وشجرة الليمون تذبل، أوراقها قاربت اليباس، لا بد من سقيها، ونحن ليس لدينا ماء لنشرب فكيف سنسقيها؟ عليك تدبّر الأمر فلا أحد يهتم بهذا الأمر إلاّ أنت، قل لأحد إخوتك أن يجلب صهريج ماء ويسقيها وإلا ستموت.
شجرة الليمون هي الباقية من حديقة منزلنا القديمة، بعد أن تمّ توسيع البيت على أغلب مساحتها. أمي اعتادت أن تنقل كرسيّها وتجلس تحتها أو جوارها في أول فرصة يسمح بها الطقس، حتى في الشتاء، وأن تداريها، تعتني بها كولد من أولادها، تتلمس أوراقها وأغصانها، وعندما تريد قطف ثمارها، تفعل ذلك بلطف وهدوء وتربّت على جذعها.
علي أن أزور أمي، سأنهي بعض الأعمال المتراكمة وأطلب إجازة طويلة، سأسقي شجرة الليمون وأقضي وقت الإجازة مع أمي، لا بدّ من ذلك.
مرّت أيام ولم تتصل أمي بي ولم أتصل لانشغالي ولنيتي أن أزورها دون أن أخبرها بذلك، لكني كنت أراقب الجو، امتقاع السماء بالغيوم، انخفاض درجة الحرارة، وأقول بفرح:
- ستمطر، ستمطر أخيراً وستفرح أمي وشجرة الليمون.
لكنها لم تمطر مما أذكى في نفسي قلقاً ممضاً. صممت أن أسافر لزيارة أمي، سأفعل ذلك غداً، غداً صباحاً، قبل أن تيبس شجرة الليمون، و يصبح حزن أمي كمداً لا ينتهي.
مساء اتصل أخي وقال:
- أمك تعبة وتريد رؤيتك عليك أن تأتي.
قلت:
- سآتي غداً صباحاً، هل أمطرت؟
رد أخي بحزن:
- لا، لم تمطر، هل هذا ما يهمك الآن؟! أمك تعبة ولا تستطيع الكلام.
طوال الطريق لم تفارقني صورة أمي، لكنها كانت على مسافة أمام ناظري لا يمكن أن أطالها، أقترب فتبتعد. أمي تغيب. قلت في نفسي بخوف وقلق.
عندما وصلت كانت سجف الغيوم الثقيلة واطئة إلى حد يجعلك تخال أن السماء هبطت من مكانها، بدأ رذاذ خفيف يسّف وجهي. إنها تمطر، قلت بصوت مسموع، رددت ذلك وكأنه لا يعني لي شيئاً، فقد داخل نفسي انقباض لا فكاك منه.
أمام البيت، تحت شجرة الليمون تماماً بلصق جذعها كان كرسي أمي فارغاً. على الأرض تناثرت أوراق الشجرة اليابسة، وعرت الأغصان فبدت كأذرع وأكف عجفاء واجفة، اندفع أخي نحوي، عانقني وأجهش قائلاً: كانت تتمنى أن تراك قبل أن تفارق، منذ فترة اختفى صوتها ولم تستطع الكلام لتتصل بك، كانت تتشوق لرؤية وجهك.
بدأ المطر يهطل، تقدمت إلى شجرة الليمون، حككت جذعها، كانت يابسة كلها.
اشتد المطر وابلاً، وأنا واقف تحته كأنه لم يعد يعنيني أبداً، انساحت دموعي مع قطراته، قلت مكلماً نفسي:
- تأخر المطر، تأخر كثيراً، وأنا أيضاً تأخرت، وصلت في الوقت الضائع.

ذو صلة