مجلة شهرية - العدد (599)  | أغسطس 2026 م- صفر 1448 هـ

عودة إلى الماضي

خرجتُ أنا والأصدقاء كالعادة لنتنزه بين الحقول وجداول المياه قبل غروب الشمس، نجري من هنا لهناك، نتبادل الحديث أو نلعب مسابقات في الألغاز. أخذنا الطريق لنقطع شوطاً طويلاً بين الحقول، وقد ابتعدنا جداً عن بيوتنا دون أن نشعر بالتعب. تداعبنا نسمة الهواء الباردة في هذا الصيف الحار شديد الرطوبة. عند مجموعة من النخيل الملتفة جلسنا وأكملنا الحديث ما بين جذب وشد. كان الليل يسدل ستاره بكل معاني الكلمة، والفلاحون غادروا الحقول، وسُمِع صوتُ الضفادع وصرصور الغيط. كانت أصواتها عالية، عيوني ترفض الاستسلام للنوم، رأسي ثقيل كأني سكران، مثل الذئاب عين مفتوحة والأخرى مغلقة. منا من هَم بالمغادرة، فالوقت تأخر، ومنا من يرفض مفضلاً البقاء، وأنا على الحياد كوني لا أشعر بشيء. بالكاد طلبت من واحد منهم أن يوقظني عند الرحيل برفقتهم. لم أشعر بشيء غير أن هناك من يدغدغ باطن قدمي اليسرى. فزعت خوفاً فوجدت كلباً لعق قدمي، أين أنا؟ ما هذا الوحش؟ تداركت الموقف واستجمعت تركيزي المشتت، وفهمت أنني نمت وسط العشب الندي بين النخيل العالي. يبدو الكلب أليفاً إذ لم يهاجمني رغم أن شكله يوحي بغير ذلك. كيف لهذه الكلاب التي تعيش وسط الحقول أن تكون أليفة؟! كلها متوحشة. حاولت الابتعاد عنه، فوجدته يقترب أكثر. قاومت الخوف وانتصبت، فوجدته يلهث بين قدميّ. ظننت أنه عفريت، وإلا فلماذا حتى الآن لم يمسني؟ أحاول الخطو بعيداً، لكنه كان يلاحقني، عقلي لم يحدد إلى الآن طريق العودة. طريق واحد يتجه شمالاً نحو الهضبة، والعكسي بالتأكيد في اتجاه قريتي، استدرت للعودة، عوى الكلب عليّ كأنه يثنيني عن الرجوع. الليل مخيف وصوت الريح موحش وهدوء الكلب مقلق. التصق لساني بحلقي، أحاول مرة أخرى السير في اتجاه قريتي، والكلب يلعق قدمي تارة ويشد ذيل جلبابي في اتجاه الهضبة. عزمت على قراري، وأسرعت، ربما هاجمني الكلب، الهروب أفضل من الذهاب في اتجاه المجهول. استجمعت قواي وأسرعت نحو الجنوب. أصدر الكلب عواء غريباً هز كياني، ارتعش قلبي داخلي، فتبعت الكلب حيثما ذهب، يمشي سريعاً وأنا أتبعه (قلبي يرجف وعقلي مشلول عاجز عن إدراك ما أفعله، وأنا مندهش.) خرجنا خارج الحيز الأخضر، وما زال الليل هو المسيطر. وصلنا إلى حدود الهضبة البنية وأكوام الحجارة كأنها دليل تسوقنا إلى أعلى التلة، الكلب دليلي وأنا أتبعه. أيقنت حينها أن هذا الكلب هو جنّي لرصد كنز مدفون هنا في التلة، وقد أرسله الله إليّ، وأنا من المحظوظين. بالفعل عند مكان ما ذهب الكلب وأخذ يشتم ما حول هذه البقعة وينبش الرمل ويصرخ كأنه يناديني. أسرعت إليه، وهو ينظر إليّ وينبش، هنا عرفت أن هنا كنزاً وهذا الكلب رصده. ما من وسائل حفر معي، وإن تركت الموقع جاء غيري ونبش وأخرج الكنز. بيدَيّ بدأت أنبش الأرض مع الكلب، فرفعنا كمية كبيرة من الرمال وما زال الكنز في الأسفل، أحضرت فرع شجرة ساعدني أكثر في الحفر، وبدأ الليل يهرب. ربما غسق الفجر يناوش الليل في هذه اللحظات ولم يظهر الكنز بعد. تألمت، لو أشرقت الشمس سوف يذهب تعبي سدى، سوف يراني البشر، سيأخذون كنزي هدية السماء، ولربما قتلوني، أو في أحسن الظروف شاركوني هبتي السماوية. الكلب ينبش بسرعة، وأنا أوسع عمق الحفر، وجدت دمعات تنزل تبلل حبات الرمل، ظننته عرقي، لكنني لم أكن حينها متعرقاً. نظرت إلى الكلب فوجدته يبكي. هل الرصد يبكي؟ ربما يدمع على وداع كنزه الذي ظل يحميه آلاف السنين. أخيراً رقد الكلب في منتصف الحفرة وهو يصدر صوتاً حزيناً، ودموعه تنزل أكثر. قلت له: قم. قام بدون جدال، وعندما دققت النظر ظهر الكنز. ربما لم يكن كنزاً، كان تابوتاً خشبيّاً رديء الصنع. جذبته إلى أعلى وفتحته، فوجدت جثة صبي لا تزال الدماء المتخثرة تعلو وجهه، وثيابه ممزقة. أيقنت الهلاك المحقق، وهذا كلب ابن كلب. هذه حادثة قتل بشعة، والكلب حاول إنقاذ سيده، وسوف تأتي الشرطة سريعاً لتلقي القبض عليّ. وبينما أنا أحاول الهروب منقذاً نفسي، تحول الكلب من وديع إلى متوحش كأسد كاسر، وكأنه يخبرني أن أكمل إخراج الجثة. فضلت أن يفترسني الكلب على أن أصبح أمام المجتمع قاتلاً، ومن يدري؟ قد يثأر أهل القتيل مني أيضاً، إذن فالموت محقق. أشرقت الشمس بكامل قوتها، صدمت جبيني بقسوة، تصبب العرق، عقلي عاد يعمل من جديد. تذكرت أنين الماضي البعيد، ذكريات عادت من جديد تطاردني، لعنتها، لعل الأقدار تتركني أرحل بعيداً. الوقت يداهمني، خرجت، البشر تملأ الوادي والسهل حتى الهضبة، وعلى ظهري ظهرت حدبة مخيفة أثقلت ظهري البالي. كم مرة حاولت الهروب؟! والكلب لا يتركني. سوف أصبح فريسة أوهامي. جريت مسرعاً هارباً من وجه الجثة الممددة على الأرض. من قتله؟ هل هم القرويون أم لصوص وثبوا عليه؟ أم شجار بين لصين يختصمان على غنيمة حرام؟ وفيما أطلقت عناني للهروب، جذبني الكلب مرة أخرى من ذيل ثوبي. (أمسكته من عنقه ودفعت به بعيداً) عند سن الهضبة، فصرخ بقوة وأخذ ينبش الصخر بقوة. فقفزت حصوة صدمت رأسي. حينها تذكرت ما كنت قد هربت منه في الماضي. تذكرت أني أنا من حفر هذه الحفرة وصنعت هذا التابوت الرديء.

ذو صلة