مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

لا تخافوا الموت.. قبر تجريبي على رمال الساحل

كانت لي تجربة لا تُنسى، هناك حيث لامس الرمل المبلل أطراف روحي، عندما حفرتُ في رمال الساحل حفرة، كأنها قبر تجريبي، منسحباً بدائياً، غرفة تأمل مؤقتة أويتُ إليها، تاركاً خلفي كل التزام مفروض وكل ضجيج مستعار.
كان الأمر أشبه بالخروج من اتساع العالم المزدحم إلى ضيق مدهش، ضيق يضيق عليك فيُدهشك بلطفه، تماماً كما تسترخي البذرة في رحم التربة. لحظة الاندثار تلك لم تكن رعباً كما يصورون لنا عن القبر، وفي تلك الحفرة الرملية، تبدلت صورة الموت من العدم إلى الاكتمال.
تساءلتُ: كيف لنا أن نصف هذا الإغماض الأخير للعينين؟
كيف يبرد الجسد المادي ليصبح وعاءً صامتاً، بينما تظل الأسئلة الوجودية؟
هل احتضان التراب نهاية، أم عودة مذهلة إلى الأصل، إلى أول المادة وأول السكون!؟
فجأة، تتوقف الأسئلة! كما يتوقف كل شي عند الموت: مهامك، عناوينك، مشاريعك المؤجلة.. كلها تتوقف بلا اعتذار، بلا تبرير، بقرار كوني غير قابل للاستئناف، إجازة أبدية تمنحك الحق في ألا تكون أي شيء.
ما الروح وما الجسد؟
إذا كانت الروح ذاكرة العاطفة والضوء، والجسد الوشاح الذي ترتديه الروح، فماذا عندما تنطفئ الحركة! إلى أين تذهب المشاعر؟!
أنا لا أبحث عن إجابة نهائية، ولا أرغب في توريط النص في جدل عقائدي ضيق.
يكفيني أن أتأمل، وأن أترك هذه الأسئلة معلقة في سماء الفكر، ربما تلمع كالنجوم البعيدة التي لا يهمها إن أطفأت مصابيح الأرض أم لا، إنها تضيء بغض النظر.
الموت عالم آخر، هذا ما نتفق عليه جميعاً، عالم لا نعرفه، هو المجهول الذي قد يكون أكثر جمالاً وأكثر رحابة مما خُوفنا منه.
لا تصدقوا الأحياء حين يرسمون المغادرة فزعاً مطلقاً، فذلك انعكاس لمخاوفهم الخاصة من فقدان السيطرة على المشهد. الموت يأتيكم على هيئة ما كنتم تجهزونه لأنفسكم. إن كنت لطيف القلب هنا، فسترث روحك لطفها هناك، وإن كنت تهذب نفسك في هذه الحياة، فلن يغمرك المجهول بشيء أشد وأثقل مما حملته ونقيته بداخلك.
السر الكامن
لسنا خالدين، وهذا ليس خبراً حزيناً، أنما هو السر الكامن وراء كل قيمة ومعنى، ولولا هذا الانقضاء الحتمي، لما كان للحظة أن تضيء بهذا الشكل الحاد، ولولا الهشاشة، لما كان للخسارة معنى ينضج الروح، ولما كان لكل لقاء ضوء وداع خفي يجعله ثميناً. إن عدم الخلود هو ما يدفعنا لحياكة الحياة بذهب المعنى.
لا تخافوا الموت بل تأملوه تأملاً جوهرياً وفهماً لعملية التجريد الإرادي للذات من عبء الكينونة المحدودة، فكروا في الموت كتحرير الشكل من محتواه الزمني، سراً جميلاً؛ لأنّه يمنح الحياة حدودها، ويهب الإنسان شرف أن يعيش وهو يعلم أن كل لحظة لن تتكرر.
الموت ليس نقيض الحياة، بل قد يكون ذروتها، إنه اللحظة التي تفك فيها الذات من ثقل الشكل، وتتحرر من وهم الامتداد الزمني، ففي الموت ينكشف السر، إن الجمال لا يولد من الدوام، بل من العبور، والقيمة لا تحتاج إلى الأبد، بل إلى وعي هش يعرف أن النهاية قريبة، لهذا يطلب الموت منا التأمل لا الخوف، الفهم لا الإنكار.
الخلود ممكناً
لنتجه إلى الرأفة بالأحياء، أولئك الذين تقترب أيامهم من اكتمال دورتها، فالرأفة بهم وقفة وعي أمام حتمية النهاية، تلك التي تمنح البداية معناها الكامل، لأن حضورنا إلى جوارهم لا يحتاج أسئلة، فالصحبة الحقيقية تفهم أن الإجابات الوجودية العميقة تعاش، لا تقال، وأن الصمت في اللحظات الأخيرة شكل من أشكال المعرفة.
وحين نذكر من غابوا، فلنذكرهم بابتسامة واعية تعترف بجمال دورة الحياة والمغادرة، وبدمعة شوق نبيلة لا تخجل من ضعفها، لأنها تدرك أن الهشاشة هي ما يجعل الحب ممكناً، وأن الألم ثمن لا مفر منه لتجربة كانت جديرة بأن تعاش.
وما يبقى بعد الغياب يتجاوز الجسد، إنه الأثر/الصدى الذي تتركه أفعالنا في وعي الآخرين، كلمة طيبة تستقر في الوعي، ذكرى ناعمة تحمي المعنى من التعفن، لمسة شفاء تفتح مساراً في روح أخرى، ودعاء صادق يواصل عمله بعد أن تهدأ الآلة، فالظل يختفي بزوال الجسد، أما الضوء/الأثر فيستمر، وعند هذه النقطة وحدها يصبح الخلود ممكناً.

ذو صلة