مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

الغرفة

لم يدر في خلده أنه سيخرج يوماً من تلك الغرفة المظلمة..
عشرون عاماً يوارى بداخلها، ما ضنت الحياة أن تجعله جميلاً، ما عجز عن حمله وتقبله، يدفن فيها ما تلقاه وعجز عن احتماله من أناس عاشوا بجواره طيلة حياته، يفتحها فقط ليضع آلامه وأسراره التي لا تبرح تمارس عليه نوعاً من الإيذاء يعيي حد الموت.
في رحلته إلى العاصمة، وأثناء ركوبه القطار، ورغم صوت متكرر لارتطام عجلات القطار بتلك الفواصل التي أحدثها الشتاء بين قضبان حديد السكة؛ كان يشاهد من النافذة صعود الشمس أول النهار معانقة في استحياء سعف نخيل انثنى بفعل الأيام، وأخذت مكانه سُعف خضر يأبى لها بالمرور، يشاهد أشعتها وهي تبدد الظلام بين ثنايا بيوت تكومت على بعضها، وهي تنشر الدفء على أغصان الأشجار وزروع الحقول وحشائش الممرات التي أعياها صقيع ليلة طويلة كما أعيته هو أثناء انتظار القطار.
- سأطلب من خدمة القطار كوباً من الشاي.. أطلب لك واحداً؟
فاجأه السؤال من فتاة بجواره متلفعةً بردائها الصوفي.. فرد بتلقائية:
- شكراً جزيلاً سأطلب كوباً من القهوة.
- إذن لا بأس.. سأطلبه لك أنا.
- لم يرد واكتفى بابتسامة
- اسمي هبة، ما اسمك؟
أثار سؤالها موجةً من الارتباك، شعر أنه يسحب إلى منطقة لطالما ظل يتحاشها، خصوصاً مع من لا يعرف، تجاوز مساحة الحوار الصغيرة وعاد إلى المساحة الواسعة التي تفتحها النافذة، تلك المساحة الرحبة التي يملؤها الضوء والذي تمنى أن تصير غرفته بداخله مثلها أكثر ضوءاً، لا اتساعاً أو رحابة.
اقتحمت عليه مساحته باستدراك:
- لعلك تخبئ شيئاً ما؟
أفزعه السؤال، وتخيل للحظة أنها سمعت ما قاله في صمته، فبادرها:
- ماذا تقصدين؟
- لا أقصد شيئاً - مبتسمةً: رجل يُسأل عن اسمه ولا يرد؛ لا بد وأنه يفكر في شيء ما.
- اسمي (نادر).
- وفقط؟
حاولت اجتذاب الكلمات من فيه ولكن دون جدوى.
لكن السؤال أشعره ولأول مرة أنها طارق من نوع جديد، طارق لا يريده هو بل يريد ما بداخله، يريد خباياه.
وللحظة.
برقت في رأسه شرارة مغامرة ربما لو خاضها قد يولد من جديد.
أوحى له اسمها أنها فرصة قد لا تتكرر، وأنها قد تكون هي هبة الله له في ذلك الوقت ليلقي ما تنوء به حشاياه.
راح يتحدث معها، ترك تحفظه غير المبرر، أسند ظهره وأدار جزعه قليلاً نحوها متكئاً بجنبه وكتفه ورأسه على مقعده ليواجهها، ليطمئن أن كلماته ستصيب هذه الأذن العابرة التي قد لا يلقاها ثانية.
تكلم في كل شيء، تكلم حتى اتسعت مساحة الحوار وابتلعت النافذة بمناظرها وحقولها، تكلم حتى لم يعد لصمته قدرةً على منازعته كما يفعل دائماً، تكلم حتى أفرغ ما كان محملاً به طوال العشرين سنة، وفتح (طاقة) ليدخل منها ضوء التعافي.
لم يكن يعلم أن للبوح هذه القدرة الهائلة على الشفاء، وأن اللسان قادر على حمل أشياء أثقل منه وأكبر، وأن ما عاناه لا يقدر على الصمود في وجه كليمات يخرجن بغير مبالاة أو ترتيب.
أوقفه توقف القطار المباغت ولملمة الركاب أغراضهم، فاعتدل..
تناولت هي حقيبتها، وقاما سوياً.
حياها ونزل من القطار.
تاركاً معها كل محتويات الغرفة.

ذو صلة