مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

ما لم يقله أبي

تقول الأيّام: احذر حياتك!
قد تدفنك حياً تحت انهيارك
البرد قد يخنق دفئك
قبل أن تأتي إلى هنا إلى لحافك
المغمور أو إلى موقد العاطفة.
أقول: سأذهب للذي لثم الحكمة
منذ سكنه الليل داخل مدافن الضوء
أنظر كيف يرقد
وكيف تسقط نظرته في الظلام؟
يقول لي: (أخيراً استسلمتُ للموت
بعد أن تشبثت بالحياة)
بدا كقارب يحترس من غدر البحر
من الموجة المسمومة
ومن غرق لاح في الأفق
ولا رشفة ريح تروي شراعه
قال أيضاً: من الصعب أن تُشفي الأيام جِراحي!
تقول الحياة: كي أعاقب الرجال على خطاياهم
وهبني الله صبرهم
وهذه البلاد
وهذا السفر الطويل الغاشم
ورحاة بيوت مليئة بالحبوب
ونسوة حصدن الكد وتحدثن عن حب الله.
النسوةُ اللائى عجنَّ الحياة
تحدثن دون شكوى من البردِ
أو آلام الروح والقهر
شددْنَ على أكتافهن شالات التعب
وأدخلن الليلَ إلى فرشهن
بصدور تحرش بها الحزن والوجع
رتّبن غيابهن عن الفرح
سمعن الماءَ يدمدم
حتّى وصل إلى دكة أيامهن
بحذرٍ شديد فكّرن:
كيف سينحسر العمر وننجو بالموت؟
تقول الحكاية:
يخترع الأصدقاء أيامهم
ليشيدوا بها ملاحم من عدم
لا تجلب لهم سوى الملل من سنينهم
ثم ينسابُ الشيب
بين أسنان أمشاطهم
يا لنبع العمر فيهم
بدا حدّ الفيضان
وعجين ذكرياتهم يتخمّرُ
تجاعيدَ وأسمال عمر.
يقول رجل: احذر الأصدقاء
لا تخنهم كيلا يدفنوا رؤوسهم
في الغياب ويسحبوا أنفسهم
إلى حطام النسيان.
يشتعلُ فقدهم كحطب
في الموقد فأحكّ جسدي
كلما نظرت للجهة التي رحلوا منها
تداعبني نسائمهمَ المبلّلة
بعرقِ الصحبة
وأبقى منتعشاً، براقاً
رغم أن فيضان غيابهم بلغ الزُّبى.
تقول المحطات: أن تسلمهم انتظارك
هو أن تمنحهم ما يجعل سرابهم
المفروش على الطرق يأخذك بالظمأ
أن تمنح الأماكن دموعكَ
أن تغسل أثرهم وتحلق في خيالك
كبالونٍ يطيرُ دونَ هدى
أو أن تبدو مثل حُجرة يغزو النور
نافذتها والعيون هاربة في الظلام.
تقول الحكمة: احذر العيش
دور الضحية ومن دور المهرج
من الخُطَب المُعَدَّة مسبقاً والطرق المُلقاة على عاتقك.
يقول الطريق: ستخذلك المسافات
ستجعلك واقفًا كطفلٍ عارٍ
يتلذذ بكسر كؤوس النبيذ في أصباح الأعياد!
تقول امرأة: احذر الحبّ!
ما لم يهتف به كل عضو في جسدك
وإلا سيلفك كمومياء ولن يُسمع أبداً صراخك.
قال أبي: احذر الضغينة!
إن فتحت لها قلبك
ستطرحك أرضاً ولن تعرف نفسك
ستلتهمك فتبدو كمنبوذ
أو كبضاعة كاسدة
الحب يا بني!
إن كان رجلاً سيكون غيمة
أنّى شاءت أمطرت
وإن كان امرأة سيكون غيثاً
وكل الرجال تحته حقول شقّقها البوار.
قال أيضاً:
لا تؤمن بكل ما يقوله الآخرون،
أنتَ كالشجرة
أغصانها وطن للطير
وساقها منذورة لفؤوس الحطّابين.
(كيف أكون حذراً من الطُرق؟!)
لم يعطني أبي الإجابة
ولم يقل إن الشعر نزوة مباركة
حتى وإن أنكرت القصائد صاحبها!

ذو صلة