(تتميز كتابات عاصم حمدان تلك الوجدانية الدافقة في حنينها إلى الأمكنة والأزمنة في المدينة المنورة، ويقدم ضمن مجموعة من المقالات صوراً من الماضي البعيد في طيبة الطيبة:
قبيل غروب الشّمس تمتلئ البرحة بـ(أدلاء) الحرم، يطلقون عليهم في مدينته المحبوبة اسم (المُزوَّرين)، عم (ناصر طيّار) أكبرهم سنّاً يرتدي جبّة وعمامة بيضاء يتوكّأ على عصاه، استوقفه رفيقه في أيام خلت في جزيرة (جاوة) الريس عبدالستّار، أراد أن يداعبه، حاول عم ناصر أن يسكته، تلك أيام قد خلت ورأى الفتى دمعة تنسكب على وجه الطيّار، تمتم بكلمات لكن لم يصل إلى الفتى منها شيء سوى قوله: (أسألك يا ربِّ حُسن الخاتمة)، إنّه يناجي مولاه، وكثيراً ما سمع الفتى هذه العبارة التي كانت تجري على ألسنة القوم في (المناخة)، في (العنبرية) وفي الساحة ترى أي شعور فطري كان يتبطّن تلك النُّفوس إيماناً بالله وشوقاً إلى لقائه وحُسن ظنٍّ به.
يسير جنباً إلى جنب مع الريس في أزقّة الحارة، رائحة البخور تنبعث من الدور التي يقطنها أولئك المجاورون الذين صفت نفوسهم، ورقّت قلوبهم، وتسامت أرواحهم.
في الحارة يجلس رجل نحيل الجسم يرتدي نظارة عتيقة يصل ما بينها وبين الأذن حبل رقيق عرف من صديقه (الزَّين) أنّه يعيش وحيداً ولكن الوحدة لم تورثه حزناً ولكنّها سكبت في أعماقه أُنساً وحبّاً في الحياة. كان الفتى يسترق النّظر إليه بين الفينة والأخرى وهم يجلسون في تلك البرحة التي على رغم ضيقها تتّسع لكلّ القادمين من حول الصُفّة بعد أن يكونوا قد جمعوا بضعة ريالات وقروشاً لقاء ما يدفعه لهم الحجّاج والزوّار.
يمد الرجل النحيل يده في جيبه، يخرج ورقة من فئة العشرة ريالات ويضعها في جيب شاب تبدو عليه ملامح الانكسار يهرول الفتى في منعطفات الحارة وكأنّ الدُّنيا قد وضعت بكاملها بين يديه، الفتى لم يجرّب حياة الفاقة والجوع والانكسار، ولكنّه كان يحسّ بها في وجوه من فقدوا آباءهم أو ألقت الأقدار بهم في معمعة الحياة دون أن يكون لهم راعٍ أو معين سوى الله وحده).
عاصم حمدان مؤرخ وناقد من المدينة المنورة. تلقى تعليمه في مدارس المدينة المنورة، ثم التحق بجامعة أم القرى في مكة المكرمة وتخرج فيها 1976، ودرس في جامعة مانشستر حاصلاً على شهادة الدكتوراه منها 1986، ودرس في جامعتي: أم القرى والملك عبدالعزيز، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية بكلية الآداب في جامعة الملك عبدالعزيز بجدة.
وترأس مجلات عدة: مجلة الطلاب الصادرة عن نادي الطلاب السعوديين في بريطانيا 1406هـ (1986م)، ومجلة الحج الصادرة عن وزارة الحج، وجذور الصادرة عن النادي الأدبي الثقافي بجدة.
الأعمال النقدية: التآمر الصهيوني الصليبي على الإسلام (1989)، دراسات مقارنة بن الأدبين العربي والغربي (1997)، صفحات من تاريخ الإبداع الأدبي بالمدينة المنورة (2001)، قراءة نقدية في بيان حمزة شحاتة الشعري (2003)، الأعمال الأدبية: المدينة المنورة بين الأدب والتاريخ (1990)، حارة الأغوات: صورة أدبية للمدينة المنورة في القرن الرابع عشر الهجري (1991)، حارة المناخة: صورة أدبية للمدينة المنورة في القرن الرابع عشر الهجري (1993)، أشجان الشامية: صورة أدبية لمكة المكرمة في العصر الحديث (1995)، ذكريات من الحصوة (1998)، هتاف من باب السلام (2000)، رحلة الشوق في دروب العنبرية (2005).
الأعمال المحققة: الأخبار الغريبة فيما وقع بطيبة الحبيبة (1992).
صدرت الأعمال الكاملة (2004).
وفي عام 2025صدر عن (دار المجلة العربية للنشر ) كتاب (ذكريات من الصفة) ، احتوى مقالات كتبها في زاوية مخصصة له تحمل الاسم نفسه، كتب فيها عدة سنوات حتى وفاته يرحمه الله.