مجلة شهرية - العدد (594)  | مارس 2026 م- رمضان 1447 هـ

"الأمن الفكري" حيـن تظـلـم الترجمة المفهوم

على خلاف عدد كبير من المفاهيم المتداولة في الخطاب العربي المعاصر، والتي وُلدت في سياقات معرفية غربية ثم انتقلت إلى العربية عبر الترجمة وأدواتها؛ يبرز مفهوم (الأمن الفكري) بوصفه مفهوماً تشكّل داخل السياق العربي، استجابةً لتحديات فكرية واجتماعية وثقافية خاصة، ثم جرى لاحقاً نقله إلى اللغة الإنجليزية ضمن محاولات التعريف به أو إدخاله في التداول الأكاديمي على وجه الخصوص.
غير أن هذه الرحلة المعكوسة للمفهوم لم تكن بلا ثمن؛ إذ كشفت الترجمة عن فجوة دلالية واضحة بين ما يُقصد به عربياً، وما قد يُفهم منه في بيئة لغوية وثقافية مختلفة.
ويمثّل هذا الاتجاه المعكوس في حركة الترجمة -من العربية إلى الإنجليزية- حالةً أقل شيوعاً، لكنه يطرح إشكاليات من نوع مختلف؛ إذ لا يتعلّق الأمر بالبحث عن مقابل عربي لمفهوم غربي مستقر، بل بنقل مفهوم عربي ناشئ إلى لغة تحمل تاريخاً دلالياً وحساسية ثقافية مغايرة، ولا سيما في ما يتصل بقضايا الفكر، والحرية، والأمن. ومن هنا، فإن أي ترجمة حرفية لا تراعي هذا الفارق الدقيق قد تؤدي إلى سوء في التلقي، أو إلى إسقاط تصورات جاهزة على مفهوم لم يُنتج أصلاً داخل ذلك الحقل الثقافي.
ويُلاحظ أن حضور ترجمة (الأمن الفكري) إلى الإنجليزية لم يبدأ إلا في وقت متأخر نسبياً؛ إذ يمكن تتبّع استخدام صيغة Intellectual Security في الكتابات الإنجليزية منذ منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة، وغالباً في أوراق مؤتمرات أو دراسات صادرة عن باحثين عرب، كما يظهر ذلك جلياً في محركات البحث العلمية. ويبدو أن الحاجة إلى هذه الترجمة نشأت في أصلها بوصفها حاجة إجرائية أكثر من كونها اختياراً مفاهيمياً مدروساً؛ حيث وجد الباحث العربي نفسه مطالباً بتقديم ملخص إنجليزي لبحث كُتب بالعربية، بما ينسجم مع متطلبات أوعية النشر الأكاديمي، دون أن يصاحب ذلك -في كثير من الأحيان- نقاش كافٍ حول ملاءمة الترجمة دلالياً أو حساسيتها الثقافية في أفق التلقي الغربي.
أثناء دراستي في الخارج، دفعتني استشارة مهنية في مجال الترجمة إلى إعادة النظر في هذه الصيغة الشائعة. وقد تبيّن لي أن ترجمة Intellectual Security لا تنقل المعنى المقصود بدقة، بل قد تولّد انطباعات غير مرغوب بها لدى القارئ الإنجليزي. فمفردة intellectual قد تُحيل مباشرة إلى قضايا الملكية الفكرية وحقوق النشر، أو حتى إلى الوقاية من هجرة العقول، كما تقترح ذلك بعض الدراسات المنشورة في سياقات بحثية مختلفة، وهو ما يبتعد عن المعنى المقصود من (الأمن الفكري) بوصفه صيانةً للتفكير وحمايةً له من التطرف ونزعات العنف. أما مفردة security فقد تُفهم على أنها دعوة إلى فرض رقابة صارمة على الأفكار، وهو ما يستدعي تصورات أدبية وثقافية ذات حمولات سلبية، مثل فكرة (شرطة الفكر) التي قدّمها جورج أورويل في روايته الشهيرة 1984.
ولا يُقصد هنا إسقاط هذه التصورات على الواقع العربي، بقدر ما هو توصيف لانطباع محتمل لدى قارئ تشكّلت حساسيته الفكرية في إطار ثقافي مختلف. فالإشكال لا يكمن دائماً في المقصود من المفهوم، بقدر ما يكمن في الطريقة التي قد يُستقبل بها عند نقله إلى بيئة لغوية أخرى.
والحال أن (الأمن الفكري)، في جوهره، لا يعني تقييد العقل أو فرض الوصاية عليه، بل يهدف إلى حمايته من الانزلاق إلى العنف أو الإضرار بالمجتمع. غير أن هذا المعنى لا يُلتقط تلقائياً عندما يُنقل بصيغة توحي -ولو ضمنياً- بمعانٍ غير مقصودة. صحيح أن الجهات الأمنية، بمعناها المؤسسي، تُعد من بين المعنيين بالمفهوم، لكنّها ليست الفاعل الوحيد فيه، ولا الإطار الوحيد الذي يتحرّك داخله.
هنا تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في الترجمة، لا بوصفها نقلاً لغوياً فحسب، بل فعلاً مفاهيمياً. ومن هذا المنطلق، أرى أن المقصود من (الأمن الفكري) يمكن التعبير عنه بمفهوم Thought Integrity. فمفردة thought تتجاوز الإشكال المرتبط بالملكية الفكرية أو النخبوية المعرفية التي قد تقترحها intellectual، بينما تحمل integrity دلالات التماسك، والسلامة، والاستقامة الأخلاقية، والاعتدال. وهي معانٍ تتقاطع مع جوهر المقصود من (الأمن) في هذا السياق، بل إن العودة إلى أصولها الدلالية تكشف عن ارتباطها أيضاً بمعاني النقاء والسلامة من الانحراف.
وقد طرحتُ هذا المقترح على عدد من اللغويين المختصين، من أساتذتي ومن الناطقين بالإنجليزية في الجامعات الغربية، فوجدوا فيه وضوحاً وقرباً من المعنى المراد. والغاية هنا ليست فرض ترجمة بعينها، بل السعي إلى صيغة تقلّل من احتمالات سوء الفهم، وتساعد على إيصال الفكرة بدقة أكبر.
فإعادة النظر في مثل هذه المصطلحات تظل ضرورة لغوية وثقافية، لا ترفاً نظرياً. ففي زمن تتصارع فيه المفاهيم بقدر ما تتصارع السياسات، تصبح دقة الترجمة جزءاً من معركة التعريف بالذات، لا مجرد تفصيل لغوي.

ذو صلة