مجلة شهرية - العدد (594)  | مارس 2026 م- رمضان 1447 هـ

الزائر الذي أخذ مقاساتي

سمعت ما يشبه صوتَ طرقات على الباب الرئيس للبيت، فتجاهلتُه بادئ الأمر. كنت منهمكاً في قراءة كتاب عن السَّفَر، وكانت ليلة مطيرة، من تلك الليالي التي يهطل مطرها على وتيرة واحدة، بحيث لم أجد نفسي مدفوعاً للخروج والتفقّد. أعتقد أن ما كنت أقرؤه ليلتئذٍ كان مشوّقاً. لكنني سمعت الطرقَ ثانية فأدركت أن أحداً من أمي، الطاعنة في السن، أو أختي، المتيقظة على الدوام، لم يخرج لرؤية الطارق. لم يسمع الصوت -فيما بدا- سواي. لدى زاوية المدخل المعتم، رفعت يدي لتحسُّسِ مفتاحِ النور، وإذا بالباب قد فُتح. عرفت ذلك من صوت المطر في الخارج، وقد غدا أكثر وضوحاً، ومن حفيفِ ملابس الزائر وخشخشةِ حذائه. فكرتُ أنه ربما كان شخصاً قريباً جداً لدرجة أنه يملك مفتاحاً للباب، بيْد أنّ استعجالَه الدخولَ بسبب المطر قد أنساه، وحصل هذا معي غير مرة، أن يعيد يده إلى جيبه قبل طرق الباب. توقفتُ في العتمة لحظةً، ويجدر القول إني نسيت أن أُضيء النور لمرأى زائريّ، الذين رأيت هيئاتِهم وُقوفاً تحت إضاءة لم أتبيّن مصدرَها، وكأن برقاً قد تصلب فوق رؤوسهم. كانوا رجالاً أربعة، أو خمسة، بدا من بياض ثيابهم أن لم تنلهم وعثاءُ السفر. والحقيقة فقد فات عليّ التحديقُ في سيماهم بما يكفي لتذكُّرهم الآن. أرخيتُ يدي وهممتُ بإلقاء التحية، لكن العبارة التي صعدتْ حلقي تجمّدتْ فجأة، وارتدت ناشبةً لتمنع ما كان سيليها من كلمات. تراءى لي أحدهم، وظننتُ أنه رئيسُهم، إذ يتصلب البرقُ فوق رأسه تماماً. أومأ لأحد مرافقيه، فتقدم الأخير وهو يحمل ما خِلته للوهلة الأولى كرةً ضخمةً لُفّت من الصوف حول محور. نكشها الرئيس بإصبعٍ فبان طرفُ شريطِ قياس. مرّره سريعاً وبمهارة كما لو كان يبحث عن علامة أو أثر ما. عندما عثر على العلامة اقترب مني خطوة، أو اقتربتُ منه، ثم أخذ مقاساتي، وجعل يُمليها على مرافقيه، الذين كانوا يدوّنونها بدورهم على صفحة من الرقّ. كانت أنفاسه، وهو يقترب بوجهه مني، تبعث في سائر عظمي برودةً مُميتة. فكرتُ كم ستكون أطوالُ المرافقين على هذا الشريط لكني لم أستطع. بدتْ قاماتُهم لي كالزئبق، تطولُ إمّا رفعتُ بصري وتقصرُ إمّا خفضتُه. هو أيضاً لم أستطع تحديد طول قامته. وبينما كان يأخذ مقاساتي، كانت تومض في ساعده ساعةٌ كبيرةُ العين. يدور بها عدد عصيّ على الحصرِ من العقارب. كانت العقارب تدور بسرعة مدهشة، بعضها أسرع من بعض، كأنها ملايينُ النطفِ في سَيْل. لا بدّ أن واحداً منها كان يخصّني. بعدما انتهى الرئيس من أخذ مقاساتي، ولم يستغرق ذلك طويلاً، لمحتُ ابتسامةً مريبةً على وجهه وهو يتراجع خطوة، أو أتراجعُ، ويناول شريطَ القياس للذي أخذه منه من قبل. لفَّ ذاك الشريطَ إلى كرة الصوف، بينما تذكرتُ الخيطَ الذي كان يستخدمه أبي لأخذ مقاساتنا كلما نوى السفرَ إلى المدينة للتبضّع قبل حلول العيد. كان أبي، الذي لا أعلم لِمَ أتذكر وجهه الآن أكثر من أي وقت مضى، يعقدُ حسب طولِ كلٍّ منا عقدة. عقدة هي مؤشر طولي، وعقدة ثانية للتي تكبرني، وعقدة ثالثة للذي يصغرني، وهكذا. عقدةٌ هي مؤشر طول كل فرد، والأب وحده يحفظ العقد وسوماً لنا، لغرض الكساء، على حبل واحد. أشرتُ بعنقي ويدي ما معناه أن في البيت اثنين آخرَيْن، لكن الزائر الذي فهم الإشارة ببراعة، ردّ بأخرى تقول: فيما بعد، ثم وعدني بأن يعود سريعاً، والحقّ أني نسيت على أي هيئة فعل ذلك. ربما كان حدساً فحسب. لا أتذكر تماماً ماذا حدث بعد ذلك، لكن العتمة عادت بكثافة عندما التففتُ قافلاً إلى غرفتي، بينما صُفق الباب بقوة كما يفعل مَن أنجز مهمة بسهولة.

ذو صلة