كانت تمشي بخطوات ثابتة، تنظر يميناً ويساراً في شارع ضيق خلف الميدان، لم تكن تبحث عن شيءٍ معين، كانت شمس الشتاء ساطعة، ودرجة الحرارة انخفاضها مقبول. على الناصية تتراص الكتب القديمة على الأرصفة، غير مألوفة الشكل، لكنها كتلة حنين وذكريات منسية.
توقفت عبير دون سبب واضح أمام أحد الأرصفة، يقف خلفها البائع العجوز، جذب انتباهها كتاب بدون غلاف، صفحاته صفراء اللون، مدت يدها وفتحته بعشوائية بحتة، على جملة مكتوبة بخط يدوي على الهامش (إن بعض القلوب تريد من يفهم صمتها). أغلقت الكتاب خشيةً من أن تفلت الجملة منها، سألت العجوز عن الثمن، ثم ضحكت بخفة واشترته بسعر زهيد، ولم تدرك أن هذه الصفحات الصفراء المهترئة طرحت أسئلة داخلها.
في شقتها المكونة من صالة وغرفة صغيرة، حيث الضوء البسيط، بدأت القراءة، لكنها كانت تبحث عن الهوامش. كل صفحة مكتوب خاطرة من سطر واحد بخط اليد، كأنه رسالة موجهة لصاحب النصيب، هذه الخواطر تتحدث عن الخوف من العلاقات الواضحة والصريحة، والارتباك أمام الاعترافات المباشرة وقول الحق. شعرت وقتها أن كاتب هذه السطور يعرفها ويفهمها جيداً، ويكتب لها، ومع الوقت أصبحت تقرأ بدافع الانجذاب والشوق وليس من أجل الفضول.
وقعت عبير في الحب من رجل غير موجود وغير واضح الملامح، صار الفضول يوقظها كل ليلة، من هذا الذي كتب تلك السطور ثم اختفى؟ ولماذا تشعر أن غيابه جزء من جمال ما كتب؟ عادت إلى سوق الكتب وسألت البائع العجوز، نظر إليها طويلاً، كأنه يزن ما سيقوله، ثم أخبرها عن رجل كان يجلس قرب النافذة، يكتب على الهوامش، ثم يرحل صامتاً، إلى أن اختفى فجأة، وأشار لها على المقهى.
قادها الفضول إلى الذهاب إلى المقهى، لم يكن كما تخيلته، كان أبسط وأقل غموضاً ووسامة، اقتربت منه وجلست على نفس الطاولة، ثم أخرجت الكتاب من حقيبتها، فتغير وجهه.. تحدث غريب بوضوح لم تتوقعه، أخبرها أنه كان يكتب ليهرب من خوفه، وأنه أحب امرأة لم يعرف حتى اسمها، لكن كان يراقبها من بعيد ويتمنى أن يتعرف عليها لكنه دائماً متردد، وأن الحكمة التي يؤمن بها أن الغموض وحده يحمي المشاعر من الإيذاء، ثم قال بصوت هادئ وصريح إنه أحبها، كان اعترافه صادقاً حقاً.
لكن شيئاً ما انكسر داخلها، لم تشعر هي بالفرح الذي تخيلته، وفقدت دهشتها، قالت له بهدوء إنها كانت تحبه أكثر حين كان فكرة، حين كان مسافة، حين لم يكن واضحاً إلى هذا الحد، نظر إليها ولم يفهم في البداية، ثم فهم متأخراً أن بعض القلوب تعشق الخيال أكثر من الحقيقة.
نهضت، وتركت الكتاب على الطاولة، ثم تركت المكان دون أن تلتفت، بعد أيام عاد غريب إلى المقهى، جلس قرب النافذة نفسها، فتح كتاباً جديداً وبدأ يكتب من جديد.