مجلة شهرية - العدد (594)  | مارس 2026 م- رمضان 1447 هـ

إنها ناصية كاذبة

(ناصية كاذبة خاطئة) الآية (16) سورة العلق.
ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها للرشد.
تأمّل في فطنة الذكاء والقيادة التي أودعها الله في مخلوقاته الحية.
حين نقرأ قوله تعالى: (ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها) ندرك أن الله سبحانه وتعالى جلت قدرته يبيّن حقيقة عميقة أن كل كائن حيّ يتحرك على الأرض مهما كان حجمه ونوعه ولونه وجنسه هو في قبضته، وتحت علمه وتدبيره، لا يخطو خطوة إلا بإذنه، ومجرى استعمال الناصية في لغة العرب للدلالة على مقدّم الرأس، وهو موضع التركيز والقيادة والسيطرة، وعندما نتأمل هذا التعبير في ضوء ما كشفه العلم اليوم، نرى توافقاً مدهشاً: ففي مقدمة الرأس يقع الموقع الجبهي المسؤول عن اتخاذ القرارات والأوامر، وعن السمع والبصر وتفسيرهما، وعن توجيه السلوك. إنه مركز القيادة الحقيقية للإنسان والحيوان وكل الكائنات، حيث تُصنع الخيارات وينشأ السلوك وتسير الأمور نحو مجرياتها.
كل مخلوق يدبّ على الأرض إنساناً أو حيواناً أو حشرة، فإن الذي يوجّهها واقعاً هو دماغها وعقلها في مقدمة الرأس، الذي يتحكم في سيرها وخطواتها وخياراتها ورؤيتها، فإن هذا الدماغ نفسه ليس مستقلاً عن قدرة الله وعظمته، بل هو مما قال الله فيه: (آخذٌ بناصيتها) أي خاضعٌ لسلطانه، يدبره ويوجهه ويحيط به علماً وقدراً، وعند الإنسان قد تكون (الناصية كاذبة خاطئة)، ولذلك ليس عجيباً أن يصف القرآن ناصية الإنسان المفسد والمنافق والكذاب بقوله: (ناصية كاذبة خاطئة) لأن المنطقة التي تُتّخذ فيها القرارات الأخلاقية وتُميَّز فيها الطرق هي نفسها التي يعبث بها الإنسان ويحاول أن يحورها ويحرفها عن مجراها الطبيعي، إذا اتبع هواه وعاكس الطبيعة، فيجعل قيادة حياته بيد الكذب والفساد والخيانة والانحراف.
فالعجيب أن الجزء نفسه من الدماغ الذي يُفترض أن يكون مركزاً مهماً لضبط السلوك هو الذي ينحرف إذا انحرفت النفس عن المسار الصحيح القويم، فيكذب صاحبه ويظلم ويجرم، ويبطش، ويتجبر ويفجر ويطغى.
وحين يفهم المؤمن هذه الحقيقة واقعة ودقيقة، يدرك أن خيره كلّه في أن يسلّم قيادة حياته لربه الخالق الذي يدبر الأمر، وأن يسأل الله دائماً أن يوجّه ناصيته إلى الرشد والحق والصواب، وأن لا يتركه لنفسه لحظة وتنفلت الأمور عن عقالها.
فالله هو الذي خلق الدماغ، وخلق الإرادة، وخلق القدرة على اتخاذ القرار الصائب السوي، ثم أخبرنا أنه يمسك نواصي خلقه جميعاً ليستقيم من استقام، ويضل من أعرض عن الهدى والهداية.
إن هذه الآية ليست مجرد معلومة أو حكمة أو موعظة، بل هي دعوة للتأمل: أنت لا تُقاد بصدفة ولا بفوضى أو دون وعي أو عقل.
بل بدماغ وهبه الله القدرة على الفهم والمعرفة والعلم والاختيار والضبط والتوازن، وبخالق يمسك بزمامك علماً وقدراً ورحمة وحياة وموتاً.
وما بين قدرة العقل وهداية الله عز وجل، تتشكل خطواتك على هذه الأرض فاختر أن تكون ناصيتك منقادةً للحق والصح والصواب دائماً نحو الهداية والاستقامة.
وذلك أثناء إجراء التحقيق مع إنسان متهم، بعد نسوب التهمة له في أي قضية كانت، يوقف بالسجن على ذمة التحقيق لمدة 21 يوماً. ويعيدون التحقيق عليه مرة ثانية بنفس الملف والأقوال السابقة والإجابات، فإذا تطابق كلام المتهم تماماً مع معلوماته الأولى، فهو صادق وإذا لخبط وأخطأ وتلعثم، فهو كاذب، لأن الكذب يتبخر من الناصية الأمامية في مقدمة الرأس بعد أيام معدودة وبعد 21 يوماً، أما الصدق يخزن في المخيخ في مؤخرة الرأس طول الحياة وليس في الناصية من الأمام ولذلك يحفظ في مكان آمن وملف مغلق.
إنها قدرة الخالق المبهر العظيم، (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) (التين 4).

ذو صلة