على كرسي غير مريح في عيادة بعيدة عن أعين من تعرفهم.. كانت تنتظر، تهرب بعينيها عن أعين الجالسين المتطفلة، بتوتر شديد يمر الوقت بطيئاً، إلى أن حان دورها.
دخلت بهدوء وتردد، لا تدري كيف اتخذت أخيراً هذا القرار بعد كل هذه السنين، لكنها كانت بحاجة ماسة إلى ذلك.. أن يسمعها أحد..
لا تدري هل تبدأ الحديث أم تنتظر أسئلته؟! ما الذي جاء بها تحديداً إلى هنا؟!
بهالة من الظلام تحاوطها كلياً وبأرجل مرتعشة وأيادٍ متشابكة وشفتين غير قادرتين على النطق، كانت تجيب على أسئلة طبيبها النفسي، ربما لا يسمع جيداً ما تقوله، ربما لا يهتم أصلاً بالإجابات، لكنه يسمع دقات قلبها المتسارع.. خوفها الشديد جلي تماماً.
لا يهم ما يقوله الآن عنها لندع آراء الناس جانباً، هي فقط تريد أن تتخلص من همومها لشخص لا تعرفه أصلاً.. ربما لن يشاهدها مجدداً، قدر الإمكان كانت تتحاشى نظراته، لا يهمها رأيه، لا تسمع أصلاً تعليقاته على حديثها غير المفهوم.
لكن عندما سألها ما أكبر مخاوفها؟! أجابت بلا تردد: الظلام.
وانطلقت في الحديث مسترسلة بقوة ووضوح غير معهود، لا أذكر جيداً منذ متى تحديداً أصبح الظلام أكبر مخاوفي؟! ربما وأنا صغيرة كنت أميل لإشراق الصباح، تجدني نشيطة أنجز فيه كل شيء، حتى إذا حان الليل أختفي تماماً، لكني لم أخشَ الظلام حينها.
لكن عندما رحل أبي أصبحت ألغي الليل من يومي، لا مواعيد ليليّة.. لا خروج لا وجود له.. الإضاءة تحيطني من كل مكان لكني لا أشعر بها.
أبي كان محور حياتي وسبب سعادتي، كيف اجتمع النبل والجمال والطيبة والمحبة والعطاء؟!
كيف صبر على كل هذا الألم وتحمله؟! كي لا نرى سوى ابتسامته المطمئنة.
كيف لنظراته الحانية أن تستمر حتى ساعاته الأخيرة؟!
كيف لحبه الجلي أن يظهر قوياً ممسكاً بأيدينا متتبعاً خطواتنا متشبثاً بالحياة؟!
كيف لمحاولاته الجادة أن تفشل؟! كيف رحل بعد كل هذا؟!
حين نفقد من نحب نفقد أرواحنا، وأنا فقدت سكينتي وأمني في اليوم الذي رحل فيه،
هربت كل الأنوار من قلبي تماماً، وها أنذا أهيم في الدنيا وحدي دون بوصلتي الآمنة وعكازي المتين.
على كرسي غير مريح في عيادة بعيدة عن أعين من تعرفهم، مازالت تنتظر.