أهوي وحيداً، ألم أسقط بهاويَةٍ
كهذه قبلُ في حلمٍ تشكَّلَ لي
ولم يدعْني وشأني؟ طيفُ أبخرَةٍ،
ظلالُ أجنحةٍ في الأفقِ سابحَةٍ
بحَّارةٌ حولَ أسطرلابِ قافلَةٍ
تطوفُ تائهةً بينَ الرمالِ، إلى
أن صرتُ أنظرُ في دربٍ جوانبُهُ
تضيقُ شيئاً فشيئاً في نهايتِه
لعلّني كنتهُ يوماً؟ يشقُّ قُرًى
مهجورةً عابراً بينَ البيوتِ وقد
غصّت شبابيكُها بالياسمينِ، فهل
وقفتُ وحدي على أطرافِ حيرتِه
من قبلُ: أين يؤدّي بي تعرّجُهُ
إلى نهايتِه أم للسهوبِ إلى
نهايَتي قلعةً منسيّةً وإذا
سألتُ أيَّ اتجاهٍ قصَّ طرّتَهُ
عشبُ الطريقِ؟ فهل لو سرتُ أتبعُهُ؟
وإن تفرّع ملتفّاً وملتوياً
فهل أميلُ بحدسي لليمينِ إلى
حدودِ سهلٍ من الزيتونِ منبسِطٍ
أو للشمالِ إلى دورٍ مكعّبَةٍ
تجمّعتْ كالثآليلِ الصغيرةِ أم
إلى جيوبٍ على جرداءَ مالحةٍ
دارتْ طواحينُها ما بينَ أضلعِها؟
وهل ستومئ أغصانُ الصنوبرِ لو
أخطأتُ؟ سرْ بمحاذاةِ القصيدةِ عن
يمينِ قافيةٍ سينيّةٍ وعلى
شمالِ ساحلِكَ الشخصيِّ. سوفَ ترَى
أطيافَ حيرتِكَ البلهاءَ حائمَةً
تزنُّ حولَكَ، قد تنجو وتهرُبُ من
سجونِ جنبَيْكَ جرياً تحتَ أروقةٍ
تموجُ مهجورَةً تعلو وتهبطُ أو
تجري إلى غابةٍ شوكاءَ غامضَةٍ
ولا نهائيّةً تدمي أسنّتَها
كعبيكَ. تأخذُكَ الدورُ الغريبةُ في
عدْوٍ لتطحنَ أميالاً تشقُّ بها
فوضى مجاهيلَ من شكٍّ، تطاردُ ما
ترى وما لا ترى، حيرانَ منتهياً
إلى مكانٍ بلا معنى، لأسوأ ما
ترجو وتخشى، لوادي الانتظارِ، إلى
حيثُ الجميعُ على أطرافِ منحدَرٍ
وحيثُ لا شيءَ إلا الانتظار: هوَى
تندسُّ خفقاتُهُ بين الضلوعِ، ولا
يدري بهِ أحدٌ، في الغياب جوى
تذوبُ صخرتُهُ، أو خطوُ قافلَةٍ
بعدَ الغروبِ على ليلٍ يعودُ بلا
وحشٍ يطاردهُ، أو وسطَ منخفضٍ،
حصنٌ تحاصرُهُ الذكرى وتخنقُهُ،
متى تحرّرُهُ بالشكِّ أسئلَةٌ؟
ترجو مواعيدَ لم تكتبْ، معلَّقَةً
على طوابيرَ لا تُرجى نهايتُها
وبانتظارِ غيومٍ كلّما اجتمعتْ
ترمي خلاخيلَها في الريحِ راكضَةً
وبانتظارِ حماماتٍ مهاجرةٍ
تلقي رسائلَ لم تُرسلْ إلى أحدٍ
وفي انتظارِ الذي يأتي ولا اسمَ لهُ
على ربًى يرسمُ المجهولَ خطوتَهُ
تمدَّنوا كلّما ضاعتْ لهم مدُنٌ
واستخشنوا كلما سارت رواحلَهمْ
حتى إذا حطَّ في أحلامِ يقظتِهِمْ
قطا البداوةِ واسمرّتْ عوارضُهُمْ
ذابتْ هوادجُ فيهم وهي تعبرُ في
مدًى تثلَّمَ من قرعِ الكتائبِ، قد
تفكّك الوقتُ رملاً من أناملِهِم
ولم يعودوا إلى أحجارِ رحلتِهِم
على انتظارٍ لهُ في كلِّ منعَرَجٍ
شكلٌ، تغورُ إذا يدنو ملامحُهُ:
نخلٌ يطولُ ببطءٍ قبلَ موعدِهِ
حزنٌ يعدُّ على هونٍ ظعينتَهُ
صيفٌ تلكّأ أو يومٌ تعجّلَ كي
يمرَّ في غفلةٍ من كلبِ بلدَتِهِ
لو لم تقفْ لغزالٍ فرَّ ما اجتمعتْ
فيكَ الجداولُ ينبوعاً لتحرسَهُ
لكنْ تظلُّ بوادي الانتظارِ ترَى
رحى حياتِكَ دارتْ وسطَ دائرة:
ظبْيٌ يطاردهُ سهمٌ، يطاردهُ
كلبٌ، يطاردهُ ظبيٌ، يطاردهُ
سهمٌ، يطاردهُ كلبٌ، يطاردهُ
ظبيٌ، ويبقى إلى ما لا نهايةَ أوْ
أمسٍ يجدّفُ عكسَ النهرِ يخرجُ من
غدٍ بأقنعةٍ تخفي هويّتَهُ
حتى يموتَ رويداً ثم يرجع من
غدٍ يجدّفُ عكسَ النهرِ ثانيَةً
إن كنتَ تمشي على دربٍ بجانبِهِ
ضاقتْ هوامشُهُ أو مرَّ فيكَ فسرْ
محاذياً لتضاريس القصيدةِ عن
شمالِ ساحلِكَ الشخصيِّ متجهاً
وراءَ أشرعةٍ بيضٍ مرقّعَةٍ
إلى موانئَ تاريخيّةٍ نُسيتْ