مجلة شهرية - العدد (592)  | يناير 2026 م- رجب 1447 هـ

أشياء لا تدفن

(1)
كان منزلاً منزوياً يقع على قارعة الطريق، تطل من نوافذه صرخات الأحفاد السعيدة عند كل زيارة أسبوعية، وفي كثير من الأحيان يحتضن هذا البيت تلك الأجساد الصغيرة بحنو دافق، تتوسط شجرة العبري العملاقة فناءه الخلفي الفسيح وكأنها حارس ليلي، أرجوحة كبيرة ودراجات هوائية ولعب كثيرة تنتشر بين زوايا ذلك المنزل الرحيب!
(2)
يطرق الباب زوار ومعارف كُثر، تراحيب وتهاليل تمتزج بضيافة كريمة ودودة، تتسع بين جنبات ذلك المنزل أحاديث مكتظة بالضحكات والمداعبات الفياضة بالألفة والارتياح!
(3)
في صباحات الصيف المشبعة بالسهر، يتسلل إلى مسامعنا تحت الغطاء الوثير صوته الأجش، يقف بطوله الفارع متكأً على معصم الباب الخشبي، نداؤه لجدتي مراراً وتكراراً، إصراراً منه على استيقاظها لتشاطره فنجان القهوة السعودية في أول صباحه الهادئ، تتهادى نبرته المحببة لمسامعنا الصغيرة، نفتح أعيننا بصعوبة بالغة ونتسابق إليه، نُقبل رأسه ويده الممتلئة بالتجاعيد، نغسل ما تبقى من أثر النوم عن وجوهنا، ندلف للردهة الواسعة التي تطل أشعة الشمس من نوافذها الطويلة، نتقدم نحو جدي ونتحلق حوله، يناغينا بأسماء مميزة تقلدتها أرواحنا كلحن ثمين، بقي معنا كعهد قديم نُجدد في قربه عهود الإخاء كميثاق غليظ لا نُطيق نسيانه.
(4)
كان لجدي صورة عتيقة، احتضنها جدار غرفة المعيشة الكبير، بدت لي عيناه كروح تبث في نفسي الأمان دائماً، ولقد كان ذلك الأمان-بعد الله- الذي نُخبئ في صدره خوفنا وآلامنا وأوجاعنا ودموعاً كم حبسنا سيلها الجارف، لقد كان احتواء دافقاً بالحنان والطيبة والحب الوفير، لقد كان ظلاً ثانياً يغطي به ملامحنا عن كل وطأة أسى يُقلق أرواحنا أو يقض السِنة عن أعيننا. لقد كان الرجل الأول الذي كان لقلبه حنو الجد وأمان الأب.
(5)
للرأفة شكل آخر، تتمثل في جدي وعاطفته الكثيفة، تتجسد في كفيه الدفاقة لكل خير، مراعياً للروح الشاكية ومشجعاً للنفس الواثقة، وخائفاً على الفؤاد المنكسر.
كانت يداه ملأى برحمات من الله وألطافه، مؤتلفاً بآي القرآن منهاج حياة ونور قلب وبصيرة.
(6)
يتسلل القمر بين غيوم المساء، كهالة مضيئة يرسم حولها صغار العائلة حكايا الأمنيات الطويلة، والذكريات الباقية على امتداد الأجيال.
يقترب الجميع بجانب بعضهم البعض، تبدأ الأمسية الليلية، يتخللها صخب الضحكات والذكريات القديمة، التي مازالت هدية ثمينة نسترجعها بذات الدهشة واللهفة، كانت أياماً ترفل بالبساطة والانبساط، والكثير من المناوشات الطفولية التي ما تلبث إلا أن تتحول إلى قهقهات مغمورة بالفكاهة والسخرية.
كانت لتفاصيل المنزل وأركانه، أصداء التصقت بين جنباته أسرار ثرة، ومشاعر مضطربة، ومجالسات امتلأت بضجيج من اللهو والمرح.
لقد غدت تلك الذكريات كصندوق خفي، نخبئ فيه صوراً وأطيافاً وألحاناً وأمنيات وعهوداً وأحداثاً، لقد كنا ذاكرة جدي الممتدة التي توارت حُجبها، كنا إرث جدي العاطفي، الذي لن يموت فينا!
ذو صلة