أدركَتْ أن الليلة خريفية عندما بدأت أوراق الشجر تتساقط أمام منزلها بهدوء يشبه الانطفاء، وكأن شيئاً ما في داخلها يستغيث لمن حولها بصمت، كان الهواء يلتقط كل شيء من الأرض ويبعده، حيث لا شوائب هناك، ثمّة شيء يتطهر.. تنتهي مدته وتغلق صفحته، تشاهد كل هذا من خلال نافذتها قبيل النوم، كانت شاردة في فكرها تخاطب عقلها محاولة استدراجه بالإجابات التي لطالما رغبت بأن تصلها، لكن بدلاً من ذلك تلقت لحظات إدراك مؤلمة.. كل شيء حضر في رأسها دفعةً واحدة دون رحمة، وكأن ذاك الموقف الأخير الذي حدث بينهما قصة ناقصة أو جزء لم يكتمل.. تعاتبه في سرّها وتلوم نفسها على تلك السذاجة التي قدمتها له.. شيء مات بينهما ولن يعود طبيعياً كما كان.. هذه الحقيقة المتبقية التي ينبغي أن تعيش واقعها.. تغلق النافذة بغضب لتعود إلى فراشها مُدركة بأنها لن تنام في هذه الساعة أو حتى في الساعات القادمة، لكنها على الأقل تقاوم الخدوش التي انهالت فوق صدرها.. تتذكر كيف كانت تلك النهاية مليئة باللعنات.. تراودها فكرة أن تقرأ لعلّ النوم يحنّ عليها ويخمد ذاكرتها المضطربة.. تأخذ الكتاب في حضنها لتقف على النص المفضل لديها وتقرأه بصوت عالٍ (ينبغي أن يعيش الإنسان دون توقعات يعلقها على البشر، عليه أن يطلق سراحهم ويتركهم لخياراتهم وهذا حقهم في الحياة، حتى عندما يختارون النهايات مع الآخرين).
تجلس على تلك الصفحة لوقت طويل وهذا الاقتباس الذي يثير فيها شيئاً غريباً يجعلها فجأة تتسامح مع فكرة أن تفارق أحدهم وأن تدعه يرحل بسلام..
يحدث أحياناً أن يُحبّ المرء شخصاً وينظر له من بعيد، ويكتفي به من داخله.. لا يمكن أن يراه أو يلمسه، لكنه يتغلغل في روحه بطريقة ما..
اشتدّ الليل وعمّ الظلام مكانها.. الجميع نائم وهي مازالت على حالها تجوب بين كلمات الصفحة.. تشاهدها بدقة مثل لوحة إرشادية تهون عليها وتدلها إلى الصواب، وتقرر بأن تغلق كتابها الذي تشعر بالحميمية وهو بين يديها؛ لتبدأ بكتابة رسالة ورقية ممتلئة بالكلام الذي لم تستطع أن تنطقه وهي أمامه..
(كانت هذه العشرة بيننا رائعة لدرجة أعجز عن وصفها، ولكن أتساءل إن كان هذا القدر أو أنها رغباتنا الداخلية، أتوق إليك بشدة وأرغب بأن تلك النهاية تجعلنا نتفادى الأخطاء التي فعلناها لبعضنا وأن لا يرى كل شخص نفسه بأنه ضحية تلك العلاقة، وهذا الشعور الذي حدث جاء لينهضنا من جديد للحياة وأن تكون هناك بداية جديدة لكلينا دون أن نكون معاً، ولا بأس بهذا الأمر هكذا هي الحياة تأخذ منا أحياناً أحبابنا بوقت قصير وغير متوقع، بينما أكتب إليك أشعر بأنني أتنفس لأول مرة وكأن كل جزء من جسدي لديه شيء ليقوله لك، ربما خيبة أمل أو نظرة خذلان لم تنظر بها إلى عيني بعد، أو لربما لأنك حكمت عليّ بأفكارك المحدودة، بينما أنا شخص لا محدود.. لذلك لا نلتقي ولا نجتمع في نقطة معاً، أكره أن أكتب وداعاً بكل تفاصيلها، يا إلهي كم أكره الوداع لأنني اعتدت معك دائماً أن أراك لاحقاً لكنها الحقيقة ويجب أن أذكرها أنّي أودعك الآن وأنا بكامل قواي العقلية.. أقولها كآخر شيء أود كتابته، أؤمن بأن الأشياء أحياناً ينبغي أن تقف بالمنتصف.. أن لا تأتي كاملة.. كان عليها أن تكون بلا مسمى.. ربما هكذا اعتقدت، لكن بالنظر إليّ كنت أستحق دائماً أن تنتهي الأشياء لصالحي بشكل جيد.. أن أفرح بحدوثها دون أن تكون ناقصة على الأقل، اليوم أقرر أن أنساك وأن تُدفن ملامحك وأنك تتلاشى مع الهواء وأوراق الخريف الصفراء المبعثرة بالخارج).
تغلق الدفتر بهدوء تام، النعاس أعلن وصوله والنوم قد حان، وهذا أعظم فاصل لتنهي به أكثر ليلة مؤلمة.