لطالما اعتبر أدب الهامش خطاباً ينتج خارج أسوار المؤسسة السياسة أو الأكاديمية أو الثقافية، لما يسمه من تمرد ورفض للأيديولوجيات السائدة، لذا يظهر كأنه يقع خارج المركز، خصوصاً في ظل الطبيعة الاستهلاكية للمجتمعات الحديثة ذات النزوع الليبرالي المتوحش، والتي أصبح فيها الإنسان كائناً مستلباً، ما أدى إلى إقصاء الهامش، في حين أنه يراقب المركز ويلتقط ذبذباته ويسعى إلى تفكيكه من الداخل، وهو ما يفسر انبثاق حركات تحررية تبنت طروحات وجودية وماركسية خرج من رحمها المثقف العضوي الحامل لفكر التجديد والناشد لتفكيك المركزية وترسيخ مكانة الهامش، مثقف عضوي لم تخلُ منه مدونتنا التراثية، اجتهد في نقد المركز وإثبات حضور الهامش المكون الثقافي الذي يمنح التاريخ ديناميته الفاعلة.
أدب الهامش في المدونة الشعرية
لا تخفى مركزية الشعر في الثقافة العربية، فهو ديوان العرب المعبر عن أفكارها ووجدانها، لذا حظي بتمجيد من قبل المركز، فكان الأدب النخبوي الذي مثلته المعلقات في العصر الجاهلي وأشعار المدح والانتصار للسلطة في العصرين الأموي والعباسي، وهي نماذج حية لهذا الإعلاء، غير أن كثيراً من الأشعار تعرضت للتهميش من قبل المركز، إذ ظهر مجتمع جديد عرف بمجتمع الصعاليك قبع في الهامش الاجتماعي والقبلي، فكان شعرهم صوتاً مناقضاً لصوت المركز، متمرداً بمضامينه التي جسدت الغنيمة واقتسامها بالتساوي بين أفراد المجتمع، ناقلاً قيمه الواسمة له من وفاء وإيثار ونكران للذات، يقول عروة بن الورد:
أقسم جسمي في جسوم كثيرة
وأحسو قراح الماء والماء بارد
ومتمرداً بشكله الجديد الذي اخترق النظام البوليثيمي للقصيدة العربية، فكان شعرهم كشفاً للعيوب التي سادت مجتمع القبيلة، ولفشو الظلم والشقاء والقهر الاجتماعي. وكان شعر العذريين نموذجاً آخر لصورة الهامش في مدونتنا العربية، لما صنعوه من تشبيب بالنساء، يتنافى مع الأعراف والأخلاق العربية التي ترعى حرمة النساء. وتعمقت فكرة التهميش أكثر بسبب المتغيرات الجديدة التي شهدها المركز، من حيث نقل الخلافة إلى دمشق ثم إلى بغداد، وما أنشبه ذلك من صراعات بين الهامش والمركز، أفرزت ذلك الشعر الشعوبي الذي واجهته السلطة بحزم شديد، كما حصل في قصر هشام بن عبدالملك لما أنشده إسماعيل بن يسار قصيدته التي مطلعها:
إني وجدك ما عودي بذي خور
عند الحفاظ ولا حوضي بمهدوم
وظهر الشعر السياسي والمذهبي المعبر عن صراعات الأطياف المختلفة من مرجئة وخوارج وشيعة ومعتزلة.. وغيرهم، فنشأ شعر هامشي حظي بالمواجهة من قبل المركز، وتعرض للإقصاء في مقابل إعلاء الخطاب الشعري الذي مجد السلطة، لذا كان عدد من كبار شعراء العربية قابعين في الهامش الضيق، فلم ينالوا حظاً من مدح للسلطة الحاكمة كابن الرومي ودعبل الخزاعي، ولولا اقتراب البحتري وأبي نواس مثلاً من المركز لظل شعرهما هامشياً، ولما حظي بتعريف من السلطة. وكان الموشح الأندلسي صورة أخرى لأدب الهامش، لتمرده على القوالب الوزنية التقليدية وعلى اللغة، دامجاً الفصيح والعامي، فاقترب من طبقات الشعب، واستطاع أن يجلي تنوع الثقافة السائدة بفضل التمازج العرقي الذي ساد بلاد الأندلس، ما جعل الموشح تعبيراً أدبياً أقرب ما يكون إلى الروح الشعبية، لما فيه من الإيقاعات المتنوعة والأوزان الرشيقة، جامعاً بذلك بين المحلية والكونية.
أدب الهامش في المدونة السردية
نُظر إلى السرد على أنه أدب قابع في الهامش، لا يستطيع مزاحمة ديوان العرب، بسبب مركزية الشعر. في الوقت الذي كانت فيه السرود تشهد انتعاشاً كبيراً في المحضن العربي، حتى عدها سعيد يقطين في كتابه: (السرد العربي مفاهيم وتجليات)؛ ديواناً آخر للعرب، يقول: (رغم كل هذه المصادرات والنوادر، ظل ذلك الديوان، أقصد السرد؛ فارضاً نفسه، ومضماراً أصيلاً، أبدع فيه العربي، وعلى مدى عصور طويلة؛ نصوصاً في منتهى البراعة والجمال، ولقد وصل العديد منها إلى مستوى العالمية)، فظهرت المحكيات الخرافية والسير الشعبية وأدب الشطار والمتحامقين والنادرة والطريفة.. وغيرها، مغنية المدونة السردية، واحتضنت كتب بعينها موضوعات تخصصت في نقل صور الهامش الاجتماعي، كالبخلاء للجاحظ، وأخبار الحمقى والمغفلين لأبي الفرج ابن الجوزي، وكتاب الإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي؛ راصدة العمق الاجتماعي المنسي في المحضن الثقافي العربي بوعي إبستيمي عميق، جلاه أهل الأدب، كالجاحظ حينما يكشف (البيان والتبيين) حقيقة وجود نسقين ثقافيين متصارعين في البيئة العربية، وهو أمر تنبه له الغذّامي في كتابه النقد الثقافي قراءة في الأنساق الثقافية العربية؛ لما قال: (إن هذا الكتاب يمثل نموذجاً لتجاوز نسقين ثقافيين يتجاوران في حال الصراع المكبوت بين المتن والهامش، بين الثقافة المؤسساتية المهيمنة والثقافة الشعبية المقموعة. ومن ثم فإن المؤلف يتوسل بالاستطراد لكي يتمكن من العبث بالنسق دون ملاحظة من الرقيب الثقافي المؤسساتي)، إنها رؤية ترغب في منح الأدب مكانته في ظل السلطة عبر الكتابة التي تمنحه وجوده في مقابل الشفهية التي يقصيها المركز لأنها تظل مخصوصة بالطبقات الهامشية.
لقد استطاعت المدونة السردية أن تجلي حقيقة الهامش الاجتماعي المقصي، وأن تمارس حقها في نقد المركز، مظهرة فعل الإقصاء الممارس من قبل القوى الثقافية والسياسية والاجتماعية السائدة، مطالبة بتعديل القيم وإصلاحها وتغيير الأوضاع، كما صنعت كليلة ودمنة التي جسدت الصراع بين الأدب والسلطة، فقد كان ابن المقفع ذا رؤية اجتماعية تنشد الإصلاح والتهذيب، وكان ذا نظر نقدي مسلح بالمعرفة والوعي، فجاء كتابه خطاباً تهذيبياً ونقدياً وتوجيهياً يتوخى بلوغ المثالية وتحقيق الشروط الإنسانية الجوهرية المفتقدة في زمن المنصور، فكان لا بد من نقد المركز وتوجيهه إلى الأخذ بمقومات الإصلاح عبر خطاب حكائي ممتع على ألسنة البهائم، تحرراً من انتقام السلطة، فمارست كليلة ودمنة وظيفتها في نقد المركز، كما تجليها عبارات ناقدة لاذعة مثل: (إن خير السلطان من أشبه النسور حول الجيف لا من أشبه الجيف حولها النسور). وإذا طالعنا (البخلاء) وجدنا نقداً اجتماعياً وأخلاقياً شديد العمق للنفس الإنسانية وللواقع الاجتماعي، يحوي داخله نقداً مضمراً للسلطة، يقول الجاحظ: (والدليل أن ليس بهم خوف من الفقر، وأن الجمع والمنع إما أن يكون منهم أو طبيعة فيهم؛ أنك قد تجد الملك بخيلاً ومملكته أوسع وخرجه أدر وعدوه أسكن، وتجد أحزم منه جوداً وإن كانت مملكته أضيق وخرجه أقل وعدوه أشد حركة)، فالمقولة استدعاء للفكر الشعوبي الذي كان مسيطراً في البيئة العربية، وفيها نقد للسلطة الحاكمة، لما أبانت عنه من فساد سياسة وظلم للرعية، أدت إلى إحداث طبقية اجتماعية فاحشة، أنتجت رعيلاً من المهمشين والبخلاء الذين صورهم الجاحظ مجتمعين مع بعضهم في المسجد، فقال: (اجتمع ناس في المسجد ممن ينتحل الاقتصاد في النفقة والتنمية للمال من أصحاب الجمع والمنع). وحين نطالع (الإمتاع والمؤانسة) لأبي حيان التوحيدي نجد نقد المركز صورة راسخة في فكر هذا المثقف الذي تعرض للظلم وعاش الاغتراب، ولعل نقد المركزية في كتابات أبي حيان هي ما عرضته للتهميش والتجاهل، حتى قال ياقوت الحموي: (إننا نجهل تماماً أصله ونشأته)، فقد رفض أن يكون أداة لتزيين واجهة السلطة ورجال الدين، بقدر ما أعلن سخطه ووجه نقده للمركز، وفي كتاب (أخلاق الوزيرين)، نقد صارخ لتآكل المقاييس القيمية وافتقاد الأمانة وروح المسؤولية الفكرية والسياسية وإظهار لملامح الفساد في بلاط العباسيين.
إن تقصي مواقع الهامش في مدونتنا العربية القديمة لا يمكنه أن يحد في متون من هذا النوع فحسب، وهو دليل على أن ثنائية المركز والهامش جدلية تاريخية، وبخاصة في المجتمعات القمعية التي تسعى إلى فرض أيديولوجيتها على الشعوب، وردع الأصوات القادمة من الهامش، لهذا فقد كان للمدونة التراثية العربية السبق التاريخي في نشوء أدب هامشي قبل الاعتناء به في جامعة بوردو سنة 1961، وفي ملتقى (سيرسي) عام 1963، وقبل أن يهتم فوكو بالمرضى والمجانين المقصيين في المجتمع الأوروبي، وقبل أن تتناول جوليا كريستيفا أدب الهامش، سواء المتعلق بالهوية الجنسية أو الثقافة أو الطبقة والانتماء الاجتماعي في كتابيها: (قوى الرعب) و(أساطير الحب)، وبورديو في طرحه الإنثربولوجي الذي انتقد فيه المركز بشدة، مرسياً ثقافة الاختلاف، وإدوارد سعيد الذي تناول نقد المركزية الغربية من خلال العدسة الكولونيالية التي شوهت صورة الشرق ونقلته بمظهر المتخلف الفاقد لمقومات العقلانية، ما جعله يدعو إلى تفكيك المركزية الأوروبية، ملحاً على ضرورة تبني فلسفة جديدة تنبع من الهامش، ومن تجارب المستعمرين والمغتربين. وأياً ما كانت المنطلقات الإبستمولوجية التي أفرزت فكرة نقد وتفكيك المركزية، وبخاصة في خطاب ما بعد الحداثة؛ فإن المدونة التراثية العربية سلكت نفس النهج عبر متونها وخطاباتها في نقد المركز من الهامش بشتى الطرق الفنية والإبداعية التي أنتجها المحضن الثقافي العربي.