ربما يتعين علينا الاعتراف بأنه لم يسبق أن شهدت العلاقات الدولية مثل هذا التداخل والتعقيد في العصر الحديث. فمن كان يتصور أن تقترب الولايات المتحدة من موسكو ضد أوروبا؟ ومن كان يتوقع أن تتخلى واشنطن عن تمثيل الحرية والديمقراطية في علاقاتها الخارجية، وتتفهم نظام كوريا الشمالية؟ نعم، حدث ذلك مع دونالد ترامب سواء في ولايته الأولى أو خلال ولايته الحالية، مما يعكس وضعاً شديد التعقيد تتداخل فيه المتناقضات بشكل يصعب معه تحديد طبيعة التطورات الحالية، هل هو تحول نحو عالم جديد أم عودة إلى سياقات سابقة؟ هل نعيش تجسيداً للتطور الهرمي للتاريخ وفقاً لفهم ابن خلدون، حيث تنشأ الدول وتتقوى ثم تتراجع وتسقط، أم أن التاريخ يبقى تطوراً بالمعنى الهيغلي، تحكمه قيم الحرية والعقلنة؟
لفهم هذا الوضع المعقد، من المفيد العودة إلى الماضي القريب، حيث بدأت تظهر لأول مرة علاقات دولية أو مجتمع عالمي منذ القرن التاسع عشر، مع تتبع التطورات اللاحقة لفهم المنطق العام الذي يحركها. فقد ظهرت البدايات الأولى للعلاقات الدولية مع ظهور الدولة القومية والقوميات، منذ بداية القرن التاسع عشر، حيث صاحب التحول من الدولة التقليدية إلى الدولة الحديثة، الدولة الوطنية، تحول من علاقات بين الأسر والسلالات الحاكمة إلى علاقات بين الأمم وسيادتها. كانت أوروبا مركز هذا التحول، خصوصاً مع ظهور الصراع المجالي في إطار الرأسمالية ومتطلباتها بعد الثورة الصناعية، من أسواق جديدة وموارد منجمية، ما أدى إلى حكم منطق القوة والهيمنة والصراع بين الأمم حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. أفرزت هذه المرحلة تجارب إنسانية قاسية، مثل الاستعمار والحربين العالميتين، وما صاحبهما من أنظمة شمولية وإبادات جماعية، حيث غلب منطق الدولة القومية ومصالحها على فكرة العالم الواحد الذي تعيش فيه الشعوب والأمم في سلام، حول مبادئ الحرية والقانون كما تصورها هيغل.
وفي فترة ما بين الحربين، برز ضعف الإرادة الدولية، حيث عجزت عصبة الأمم عن فرض السلام، رغم مؤشرات الخطر الواضحة. بعد الحرب العالمية الثانية، كان من المفترض أن يستخلص العالم دروساً، ويعمل على إنشاء مجتمع دولي قائم على التعاون بين الأمم، مع احترام الحرية والحقوق، وهو الهدف الذي تجسد في إنشاء منظمة الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتطوير مفهوم الجريمة في حق الإنسانية. مع ذلك، دخلت القوى الكبرى في مرحلة جديدة من المواجهة بين قطبي الشرق الاشتراكي والغرب الليبرالي، حيث أصبحت العلاقات الدولية محكومة بمنطق القوة، على حساب الديمقراطية والحريات والتنمية، ما أدى إلى تراجع مبادئ القانون والحقوق.
وبعد انهيار الكتلة الاشتراكية، وتراجع الصراع الأيديولوجي، عادت الأولويات الوطنية، مع التركيز على التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وظهرت موجة جديدة من الدمقرطة في أوروبا الوسطى. بدا أن العالم يستعيد توازنه، متجهاً نحو الخروج من الأنظمة الشمولية، نحو عالم يركز على الحرية والحقوق والتنمية والبيئة وغيرها من القيم. ومع ذلك، بقيت فكرة المنافسة والصراع حاضرة، حيث توجهت الدول نحو إقامة تكتلات إقليمية، مثل الاتحاد الأوروبي، والسوق الحرة في أمريكا الشمالية، وتجمعات مثل البريكس منذ 2009، ما أدى إلى عودة المنافسة على أساس المصالح الاقتصادية، وليس الأيديولوجية. أدى ذلك إلى عدم استقرار ملامح العلاقات الدولية، كما يبرز من خلال تردد الولايات المتحدة بين التدخل العسكري والانكماش، خصوصاً خلال فترة حكم ترامب. في نفس هذا السياق، بدأ الحديث عن ثنائية جديدة بين عالم قديم ينهار، وعالم جديد يبرز على رأسه الصين وروسيا، وكأننا نعود إلى صراعات الأمم القوية في نهاية القرن التاسع عشر.
هذا السياق الجديد يتطلب من العرب وبلدان الجنوب فهمه بشكل دقيق لضمان التموقع المناسب في عالم المستقبل. نعتقد أن المنطق التطوري الذي يحكم تطور الدولة الحديثة، وفقاً لفهم هيغلي، يمكن أن يساعد في ذلك، وهو منطق يختلف عن النظرة الاستعادية أو الدائرية لابن خلدون، التي تنطبق أكثر على الدولة التقليدية. فدول مثل روسيا والصين وتركيا، التي لها ماض إمبراطوري لم تتخلص منه بعد، تحاول اليوم استخدام هذا التراث كخطاب وطني لمواجهة الهيمنة الأمريكية والعالم الأحادي القطب. ومع ذلك، فإن مصير هذه الدول وأنظمتها الأحادية، سوف يخضع حتماً لمنطق التطور، أي التدرج نحو الديمقراطية، خصوصاً وهي تعيش هشاشة في علاقة السلطات بمجتمعاتها، كما ظهر من تبعات سياسة صفر كوفيد في الصين، وانتفاضات النساء في إيران، وتورط روسيا في حرب أوكرانيا. هذه الأنظمة القديمة ترفض التطور، ولا تعكس عالماً جديداً ينهض على أنقاض الغرب الذي يعتقد البعض أنه يتهاوى، بل هي في حالة من التحدي المستمر للتغيرات العالمية.
نحن نرى أن النظرة التطورية للتاريخ، وفقاً لمنطق هيغل، لها وجاهتها، إلا أنه من الضروري الاعتراف بأن سياق حكم ترامب خرج عن هذا المنطق. فالدولة الأمريكية، التي أسست تاريخها على الحريات، بدأت تقيد الحريات الأكاديمية والسياسية منذ بداية ولايته الثانية، وأبدى ترامب إعجاباً كبيراً بشخصيات ديكتاتورية مثل بوتين وشي جين بينغ، وهاجم رؤساء أوروبيين منتخبين، مما يمثل تحولاً عكسياً ومنافياً للمصالح الأمريكية. نعتقد أن فترة ترامب تمثل استثناءً، قوساً شاذاً في مسار التطور الأمريكي، وأن السياسة الأمريكية ستعود إلى منطقها التقليدي قريباً، لتستأنف مسارها الطبيعي.
منذ القرن التاسع عشر، حكمت العالم علاقات القوة بين الأمم على أساس المصالح الاقتصادية، مع استثناء فترة الحرب الباردة. اليوم، يعاد نفس الصراع بين الصين والولايات المتحدة، حيث زاد ترامب من حدة هذا الصراع بالمطالبة بضم دول ذات سيادة إلى الولايات المتحدة، وهو ما يعكس منطقاً سياسياً واقتصادياً، مخالفاً لنظريات هنتنغتون عن نهاية الصراع السياسي ودخول العالم في مرحلة صراع الحضارات. وعلى الرغم من عودة نظريته في سياق الحرب على الفلسطينيين، فإن عالم اليوم يبقى عالم القوة، حيث الصراع بين القوة من ناحية وشرعية القانون والحق من ناحية ثانية، وهو ما أظهرته مواقف الغرب الداعمة لإسرائيل، وتجاهلها لواقع الاحتلال وثقافة الانتقام البشع لدى الجيش الإسرائيلي، ما أدى إلى تآكل مصداقيته، وتعزيز الضبابية حول مستقبل العالم. فهل يمكن أن نتصور عالماً دون أقطاب؟
إن فكرة الأقطاب، في جوهرها، تعبر عن منطق القوة، والحال أننا نرغب في عالم يسوده القانون الراعي للحريات وللحقوق على مستوى المواطنة وعلى مستوى الدول. نعم، بإمكان العالم أن يكون دون أقطاب إذا استبطنت الدول والشعوب أهمية العيش المشترك على كوكب تتهدده الحروب والمجاعات في الكثير من رقاعه، في حين يفكر البعض في رقاع أخرى في كيفية ترك الأرض والعيش في كوكب آخر. هكذا تقودنا الحداثة (التقنوية) والقومية إلى نهاية الإنسان. إن عالماً خالياً من الأقطاب يعني عالم الحريات والحقوق، عالم التفكير في الأرض الجريحة جراء التلوث، عالم التفكير في العدالة الاجتماعية. مثل هذا العالم يفترض إيجاد حوكمة عالمية ناجعة تتجاوز مجال القوميات لتضمن حقوق المواطن الإنسان.