يمثل هذا الشاعر وسواه من الشعراء في القرن العشرين، الذين يقولون الشعر باللهجة النجدية، أو ما اصطلح عليه بالشعر النبطي، المؤسسين لما يسمى في الدراسات الثقافية الأكاديمية: الثقافة الشعبية، وهي مرحلة شديدة الأهمية في ثقافة المجتمعات لأنها الفيصل أو المرحلة الانتقالية ما بين مرحلة سابقة اصطلح أكاديمياً على تسميتها بالتراث الثقافي المعنوي والمادي، وجاءت الثقافة الشعبية لتستخدم ذات الأصول والقواعد ولكن بروح معاصرة، وصارت إلى جانب الثقافة الرفيعة أو الخاصة، بالتوازي فلا تقاطع ولا اندماج بينهما سوى بالجذور الأساسية، غير أن المستوى اللغوي والتاريخي والجغرافي يجعلهما مختلفين جداً.
وعقب انفجار الصناعات والتقنيات من عصر الآلة الكهربائية (المايكروفون) والمذياع و(الكاميرا) التلفزيون، إلى عصر الآلات التقنية: محطات فضائية ومواقع وتطبيقات ومنصات، أفضت إلى الثقافة الجماهيرية التي تعتمد على الثقافتين: الرفيعة والشعبية، وهذه حالة من مد المفعول والأثر لهما.
وصفه الأديب عبدالله بن خميس (1920 - 2011): (هكذا عرفناه، وعرفناه بقامته المديدة وجسمه الممشوق وسمرته المقبلة بن صفوف الرجال وفي أهازيج الفرحة بسيفه وفرده وخنجره وأردانه الطويل وزبونه المنقوش المكلل بالحرير.. عرفناه يهزج بالشِّعر ويرسله حربياً قوياً نابضاً من إنشاده ومن إنشائه يجعل العرضة عامرة تحرّك أحاسيس الرجال وتهز مشاعرهم وتجعلهم في جو من الأنس وفي بهجة من الحبور تتكسر قاماتهم على ملاعبة السيوف وتترنح أعطافهم على نغمات الطبول ويتجاوبون به عذب الإنشاد صادق الرواية حلو الديباجة، نعم عهدناه كذلك كغصن لدن يميل مع فنه ويستعطف مع هواه.. نجم من نجوم ذلك المجتمع لامع ساطع، وعرفناه كذلك وجهاً من وجوه ذلك الجيل في رجولته ونبله وكرمه وحذقه ووجاهته).
إنه الشاعر سليمان بن حاذور الذي تناقلت الشفاه الكثير من قصائده سواء في ساحات الغناء السامري أو العرضة، ومن قصائده بفن العرضة، وجهها إلى جلالة الملك عبدالعزيز -يرحمه الله- عقب عودته من رحلته إلى مصر:
يا عين يا اللي حاربت لذ المنام
يحرم عليها النوم ما يعزي لها
عل عين ما بكت فقد الإمام
تعطى العمى بصبيها هو فالها
ولم تقف معرفته على فن العرضة، ذلك الاستعراض الفروسي فقط، بل تحدث عن المنقولات الشفوية: من فن الحوربة الممهد إلى فن العرضة، وهي تؤدى مع ضربات سريعة على الطبل وأكثر شعرها من الشعر القديم المتوارث والمحفوظ وشعر الحوربة يتكون من خمسة طروق رئيسة كل طرق يرفع بلحن خاص غير اللحن الآخر ومثال ذلك قولهم:
لا قابلت نار المعادي نارنا
یا نارنا العليا على النيراني
وقولهم:
من لا يجينا والديار مخيفه
لا مرحبا به والديار عوافي
وقولهم:
يستاهل الفنجال مشارب شيخنا
اللي الى سمع الطراد عنى له
وله قصيدة من فن المسحوب قالها بمدينته الرياض:
جو الرياض اللي مقره نظيفي
يرتاح قلبك بين ربعك والأوطان
مقبول یا شخص ودمه خفیفي
أنا علی شوفه شفيق وولهان
يا هل الغلا حمل المودة كليفي
حكم الغلا دايم على القلب سلطان
شخص يزوَّل لي وماله وصیفي
جسم لطیف وغصن والغصن ريان
قلت الخبر يا زين كانك عریفي
رد السلام وكلنا أصحاب وأخوان
وانته شريك الروح وانته حلیفي
بين الضمایر خافي الجرح ما بان
انه على ما فيك غصن مريفي
عزالله إنك يا هوى الروح فتّان
الأعمال الشعرية: روضة من الزهور (1982)، سمار الليالي (1983).