مادة هذا الكتاب محاضرة قدمها المسرحي والناقد إبراهيم عبدالله غلوم عام 2013 (مركز عيسى الثقافي بمناسبة اليوم العالمي للكتاب). إذ تجمع الآن لتكون ختام مؤلفاته الغزيرة حول المسرح وقضاياه، والثقافة والتاريخ في الخليج العربي.
طرح قضية المحاضرة بأن تاريخ البحرين الحديث مليء بسلسلة من الفجوات التي أغفلها المؤرخون وتجاوزوها في كتابتهم لتاريخ المنطقة. وأطلق مصطلح (التبئير) على ظاهرة الإغفال تلك، معتبراً إياها ظاهرة خطيرة ينبغي على الباحثين معالجتها اليوم عبر الوقوف على وعي الحقبات التي تم تجاوزها، من خلال مفهوم مركزي وأساسي كمفهوم المجتمع القبلي والوعي الوطني.
وأوضح غلوم أن المفهوم السردي للتاريخ، لا يوثق وعي ومعرفة المجتمعات التي يؤرخ لها عبر الإحاطة بالحياة التي عاشتها والحضارة والمدنية التي أسستها، وكل ما واجهته من عالم غامض وقوى مختلفة.
ومنها هجرة الفتوح، التي وقعت بعد وفاة الرسول، والتي تمثل بداية الفتوح الإسلامية، ثم جاءت الهجرة الكبرى الثانية في القرن الرابع والخامس الهجريين، وهي هجرة القبائل العربية هلال وعامر وسهيل وبعض من تميم، وتجسدت في الرحلة الهلالية الشهيرة، التي انطلقت من نجد، ومرت بشرقي الجزيرة العربية ومنطقة الخليج.
وأفاد بأنه لا يوجد مصدر لهذه الرحلة سوى السيرة الهلالية وإشارات طفيفة في كتاب ابن خلدون (العبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر)، وهو الذي لم ينصف هذه القبائل، بل وصفها بالرعوية والبداوة والتوحش، وربما أوحى بأن لها أغراضاً سياسية.
غلوم أكد أن ذلك لم يكن صحيحاً، وأن الجزيرة العربية مرت بكارثة طبيعية آنذاك فنفت أبناءها، كما رفض وصف ابن خلدون لهذه القبائل التي كونت أول تشكيلات بشرية في شرقي الجزيرة العربية.
بعدها تحدث عن الهجرة الثالثة الكبرى، وهي هجرة أحياء القبائل العربية من نجد في القرن السابع عشر وتأسيسها للتاريخ الحديث للبحرين والخليج العربي، وقال إن هذه الهجرة سجلتها الملاحم الشعبية والتراث والقصص وشظايا حكايات شفوية، لكن لم يرادفها أي وعي تاريخي.
قسّم غلوم اتجاهات كتابة التاريخ إلى أربعة، يعتمد الأول منها الرواية الشفوية مصدراً لكتابة التاريخ، كما في كتاب (التحفة النبهانية) لمحمد بن خليفة النبهاني، ومن بعده (مجموع الفضائل في فن النسب وتاريخ القبائل) لراشد بن فاضل البنعلي.
ووصف غلوم كتب هذا الاتجاه بأنها مليئة بالأوهام والخرافات، وأنها تقع أحياناً في مزالق التحيزات والسجالات، مستشهداً بالسجال الواقع بين الكتابين المذكورين.
الاتجاه الثاني هو اتجاه الدراسات الأكاديمية الحديثة، التي وصفها بأنها دخلت في وعي مرتبط ومقترن ومخادن لوثائق الوكالات الأجنبية.
الاتجاه الثالث يجمع بين الدراسة والتحقيق، وهو اتجاه يكاد يكون منفرداً، وتمثله فيما كتبه (علاّمة الجزيرة العربية) حمد الجاسر، الذي كتب في تاريخ القبائل وجغرافيا الجزيرة العربية وأعلامها وبعض مراحلها السياسية.
أما الاتجاه الرابع، فهو الذي وضع الأسس الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في بؤرة النظر للعالم، حيث أصبحت هناك بؤرة محددة يقف عليها المؤرخ، وينظر من خلالها إلى كل ما يحيط بهذه المتغيرات من أفكار ومعرفة ووعي.
إبراهيم غلوم (1952 -2023) مسرحي وناقد أكاديمي بحريني. حاصل على دكتوراه دولية من كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة التونسية سنة 1983. درس في جامعتي البحرين والكويت. حصل على وسام الكفاءة من الدرجة الأولى (2012م) من الملك حمد بن عيسى آل خليفة، وعلى قلادة تكريم المبدعين في دول مجلس التعاون (2012م).
أصدر مسرحيات وبعضها نقلت إلى المسرح. وكتابات نقدية حول المسرح والثقافة والتاريخ الخليجي.
الناشر: منتدى المعارف، بيروت، 2026.