يقول سقراط (اعرف نفسك)
هناك حدود يجب أن تكون واضحة بين الفرد والمجتمع، فأنت عالم لوحدك ولك شروطك الخاصة ونظراتك المتفردة، لست عوداً من حزمة، ولا قشة من حقل يابس، ولا مسمار في آلة فقط، وعليه فالتوازن بين الفردي والجماعي مطلب ملح سواء على مستوى العقل، فلا تنداع مع العقل الجمعي فتكون إمعة، أو على مستوى العاطفة، فلا تتناغم مع الجوقة الطائفية أو المحلية أو المجتمعية عموماً يقول تيوفيل غوتيه: (على الشاعر أن يرى الأشياء الإنسانية وأن يفكر فيها من خلال نظرته الخاصة دون أية مصلحة اجتماعية أو مذهبية)، وعلى مستويات أكثر من هذا أيضاً على مستوى العادات بل وبعض القيم، ولذلك فرسم حد فاصل بين الفرادة والانخراط المجتمعي بات أمراً مهماً بحيث يحفظ لك هذا التمييز المكان المناسب فلا تكن نشازاً، وأيضاً يعصمك من التحول إلى رقم في معادلة، يضيف غوتيه (تكمن السعادة القصوى في شخصية الإنسان)، ويقول فردريك لونوار (التربية والثقافة تمنعاننا أحياناً من إظهار حساسيتنا وتنحوان بنا بعيداً عن ميولنا أو عن آمالنا المشروعة، لهذا السبب علينا أن نتعلم أن نكون أنفسنا بتجاوز البرامج الثقافية والتربوية التي يمكن أن تحيد بنا عما نكونه. إن هذا التجاوز هو ما يدعوه عالم النفس السويسري كارل غوستاف يونغ بـ(سيرورة التفرد) التي تتحقق غالباً في حوالي الأربعينات من العمر عندما نقوم بأول تقييم لوجودنا، نستطيع أن نكتشف أننا لسنا نحن بما يكفي وبأننا نسعى لإسعاد هؤلاء وأولئك من دون أن نراعي أنفسنا).
بطبيعة الحال مثل هذا الطرح قد يُخيِّل للقارئ تسويغ التمرد أو الانفلات أو التمكين لغريبي الأطوار داخل المجتمع بأن يمارسوا فرادتهم المقيتة وليس هذا هو المقصود إنما المقصود هو تحقيق القدر الذي لا بأس به من احتضان الشباب العولمي والذي يتواصل مع العالم بسهولة وهو على اطلاع على تنوع الثقافات والاختيارات والميول، وهو في الوقت ذاته يتطلع لشيء من الحرية وممارسة الخصوصية في جو آمن من تهم الغرابة أو الأنانية أو الخروج عن المألوف، فنحن بذلك نضمن بقاءه الوجودي داخل المجتمع لا أن يشذ عنه بالفعل ويخلق له عوالمه الخاصة والتي يستطيع من خلالها أن يعبِّر عن وجوده بعيداً عن مؤسسات المجتمع وقلاعه العتيدة وشيئاً فشيئاً ينسلخ عن مجتمعه، ونحقق بذلك أيضاً التنوع الفرداني الجميل والذي يعبِّر عن قوة المجتمع وتلاحمه ومرونته الفائقة في تلقف الأفكار والأذواق لعموم أفراده، وأيما مجتمع يقاوم بضراوة اختيارات أفراده خصوصاً الشباب فلينذر نفسه بالتوتر الداخلي حتى وإن كان ظاهره الاطمئنان الشكلي.
إذن التوازن قانون فإن عانيت شيئاً من الفوضى بين الجسم والروح، وبين العقل والعاطفة، وبين الصمت والكلام، وبين الفرداني والاجتماعي، فالمطلوب هو التوازن النفسي: التوازن قانون يَحكم المعرفة، ويحكم الكلام، ويحكم العاطفة، ويحكم العقل، ويحكم الفرد، ويحكم المجتمع، فعليك بإضفاء مسحة من التوازن، لتنقلك من حال التشويش لحال الصفاء نحو التوازن النفسي.