مجلة شهرية - العدد (599)  | أغسطس 2026 م- صفر 1448 هـ

أزمة اللغة المحكية وفقدان الهوية

تظل اللغة بشكلها المحكي الطبيعي هي المعبر عن ثقافة الشعوب وحضارتها، والمتسقة معها في كل تحولاتها، وعلى مختلف أشكالها، وهي المعبر أيضاً عن أخلاقها وعاداتها وتقاليدها، ويمكن للغة -كونها كائناً حياً- أن تعبر عن ازدهارها أو تدهورها بناء على الحالة الحضارية والثقافية، لذلك لا أعتقد أن هناك حالة لغوية مكتملة على الإطلاق، كما أنه ليس هناك حالة لغوية فقيرة على الإطلاق، فهذه الحالة الأخيرة تجاوزتها الشعوب والأمم منذ آلاف السنين، مع لغات الخطاب الرمزية كـ(الإشارات والنار والطبول والرسومات وغيرها) حتى نمت وتطورت لغة الخطاب المحكي ومعها لغة الخطاب المدون، إلا أن لغة الخطاب المحكي هي أقرب الدلالات على مستوى تطور الشعوب واختلاف بعضها عن بعض، وهي المعبر الحقيقي عن مستوى وعيها الشعبي، أكثر من لغة الخطاب المكتوب أو المدون، لاتكائها على مخزوم لغوي مرجعي تنهل منه، ليبدو الفرق بين اللغة الشعبية واللغة المدونة واضحاً وجلياً في التعبير عن مستوى حضارة أمة أو شعب عن أمة أو شعب آخر، فاللغة الشعبية المتداولة المتطورة لديها القدرة على طرح المعاني بسلاسة ومباشرة دون انقطاع في وتيرة الكلام، وتبلبل في إيصال الفكرة، هنا لا أتحدث عن المجتمعات الصغيرة التي تواطأت على لغة متداولة مشتركة تفهمها هي دون غيرها فهي لغة خاصة، إنما أقصد لغات الخطاب الأشمل والأوسع، كما أني لا أعني اللهجات المنطوقة فقط بل ما يلحق بها من دلالات أوسع وأشمل لتصبح لغة تشترك فيها اللهجة المتداولة ولغة الإشارات والجسد ونبرات الصوت والعبارات الخاصة المشتملة على (الأمثال والحكم). وتبرز هذه اللغة أكثر في الدراما والمسرح كصيغة معبرة على قدرة هذه اللغة على التمثيل المقنع من خلال الحركة والصوت، فلو عدنا قليلاً إلى لغة الخطاب المتداولة زمن الصحوة كمثال سنجد أنها مثقلة بالتوجيه ما بين حدي يجوز ولا يجوز وحرام وحلال وما تشتمل عليه من إيماءات وحركة جسد حادة مقصودة، ويتضح ذلك أيضاً من خلال سلوك عام ومظاهر دالة في الملبس، ويتمظهر ذلك (زمن الصحوة) بشكل أوضح في علاقة الناس بعضهم ببعض، واتجاهات هذه اللغة المنحدرة كشلال ساخن من الأعلى إلى الأسفل، وتختلف الشعوب العربية على وجه الخصوص في خضوعها لهذه التحولات، لذلك لم أجد مجتمعاً كسرته اللغة الشعبية المحكية كمجتمعنا الذي ظل ردحاً من الزمن تحت وطأة ونير الخطاب الأحادي الموجه الذي حد من قدرتها على النمو، بينما في بلاد عربية أخرى كمصر على سبيل المثال، سنجد تطور هذه اللغة بطريقة تجعلك تنبهر بقدرتها على إيصال المعنى، على مختلف الحالات، إذ لديها القدرة في أن تجعلك تضحك وتحزن بكفاءة عالية، ولديها المخزون اللغوي الكافي للتعبير عن الأفكار دون الحاجة إلى اعتساف اللغة أو برمجة مسبقة للعقل، فلا تحار بالكلمات ولا تتذبذب بالعبارات، فحكمة سريعة أو مثل يعبران تماماً عنها، فهل نستطيع عقب الخلاص من لغة التوجيه اللغوي أحادي الجانب، وانفتاحنا على كل المحظورات السابقة (زمن الصحوة) أن نطور لغتنا المحكية لتنتعش معها بقية الفنون الأخرى؟


ذو صلة