مجلة شهرية - العدد (598)  | يوليو 2026 م- محرم 1448 هـ

رحلات الحج مشقة الطريق ولذة الوصول

من يقرأ أدب الرحلات، وخصوصاً رحلات الحج، يدرك أن الحج لم يكن عبادة ورحلة فحسب، بل مدرسة للحياة وتدريباً على السراء والضراء، والألم والأمل، والحزن والفرح، ومسرحاً للمواقف الوجدانية والإنسانية والاجتماعية، ومخزناً هائلاً للتاريخ غير المقصود. ففي ثنايا تلك الرحلات وتفاصيلها نعرف دقائق الأمور صغيرها وكبيرها، مخاوفهم وأفراحهم، وطرائق عيشهم، أكثر مما نجده أحياناً في كتب التاريخ السياسية أو الجافة. ولهذا بقيت رحلات الحج من أمتع ما كُتب وأقربه إلى النفس، لأنها تروي الحدث مجرداً من التبعات والأهواء والتحيزات، تنقل لنا متعة ومشقة الطريق وتعب المسافر وكآبة المنظر وسوء المنقلب وحسنه، وألم الوداع وحسن اللقاء.
ومن أجمل ما يُستفتح به في هذا الباب ما كتبه عميد الرحالة في العصر الحديث الشيخ محمد العبودي في (مشاهد بريدة)، حين ذكر أبرز الأحداث والمشاهد التي مرت عليه، ووصفه للأزقة والبيوت، وحديثه عن حج والدته، وأخيه، وكيف حجت أمه على الإبل مع خاله الشيخ إبراهيم العضيب، وكانت مدة الحج سبعة وأربعين يوماً.
هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تمنح النص رونقاً وتجعله يتنفس كالروح، وتجعل القارئ يعيش الزمن وينغمس فيه، ويرجع بالوقت سبعين عاماً أو تزيد. وفي الطريق إلى الحج تتكشف طبائع البشر، حتى في أبسط الأشياء، كالنوم والأرق.
يقول محمد الحمد في كتابه عن النوم، واصفاً حواراً مع النفس لأحد أقربائه وهم قافلون من الحج في طريقهم إلى المدينة: حينها بدأ يخاطب نفسه بكلمات يسمعها من بجواره، ويقول: (يا جسمي: الفراش أمامك، والطريق واقف، والنوم مهيأ لك، وليس لديك أي شغل، وغداً أمامك طريق، فإذا أردت النوم، وكانت لك به حاجة فنم، وإلا فأنت وشأنك، واعلم بأن هذه فرصتك للنوم، أما إذا طلع الفجر، وصلينا فسنواصل السير، وإن بلغ بك التعب ما بلغ). سمعت منه هذه الكلمات، وإذا بها تحمل حكمة فطرية رائعة لو تدبرها العاقل لأراحته من الهم إذا طار عنه النوم، وأرقه السهاد.
ولعل هذا اللون من النصوص يقودنا إلى فكرة مهمة، وهي أن التاريخ ليس نوعاً واحداً. فممكن أن نقسم التاريخ إلى قسمين: (مقصود) و(غير مقصود). أما المقصود فهو ما امتلأت به المكتبات ودور النشر عبر العصور من كتب التاريخ والسير والمرويات، كتاريخ الطبري و(البداية والنهاية) وغيرها. أما التاريخ غير المقصود فهو الذي يساقط إلينا وعلينا عبر كتب الرحلات وبعض السير، ونجده مبثوثاً بين جنبات اليوميات والمذكرات، وهو منتشر في الشرق والغرب، غير أن المغاربة تفوقوا فيه حتى صاروا أئمة الرحلات، ولعل من أكبر أسباب ذلك رحلات الحج الطويلة. ومما يميز هذا التاريخ غير المقصود أنه ممتع، يمنح القارئ نشوة الاكتشاف ولذة التلصص على حياة الناس لا رياء ولا سمعة، وهم في حالهم الطبيعية.
ويشير ابن خلدون إلى شيء من هذا التفوق الحضاري حين يقول: (فأهل المشرق على الجملة أرسخ في صناعة تعليم العلم، بل وفي سائر الصنائع، حتى إنه ليَظُنُّ كثيرٌ من رحالة أهل المغرب إلى المشرق في طلب العلم أن عقولهم على الجملة أكمل من عقول أهل المغرب، ويعتقدون التفاوتَ بيننا وبينهم في حقيقة الإنسانية ويتشيعون لذلك، ويولعون به، لما يرون من حِذقهم في العلوم والصنائع وليس كذلك.. وإنما الذي فَضَلَ به أهلُ المشرقِ أهلَ المغربِ هو ما يحصل في النفسِ من آثارِ الحضارة).
ومن أشهر رحلات الحج رحلة ابن جبير، تلك الرحلة التي لم تبدأ بدافع الترف العلمي، بل بسبب حادثة هزته من الداخل - ومثله ناصر خسروا وإن اختلف الذنب -. فقد ذُكر أن الأمير أبا سعيد استدعاه ليكتب عنه كتاباً وهو يشرب الخمر، فألزمه أن يشرب سبعة أقداح، ثم ملأها له دنانير. فخرج ابن جبير للحج خائفاً يترقب، تكفيراً عن تلك الخطيئة. جاء في الرواية: (يقال: إن أبا سعيد ابن عبدالمؤمن أمير الموحدين استدعى ابن جبير يوماً ليكتب عنه كتاباً وهو على شرابه المسكر، فناول ابن جبير قدحاً من نبيذ، فأبى ابن جبير تناوله. فأقسم عليه الأمير يميناً مغلظة ليشربنَّ من النبيذ سبعة أقداح، فشربها صاغراً، ثم ردها عليه أبو سعيد سبعة أقداح مملوءة بالدنانير. وبعد ذلك الذنب أزمع ابن جبير أن يحج تكفيراً عن خطيئته، فخرج من غرناطة سنة 579هـ).
وقد وصفه شيخ المحققين حسين نصار بأنه: الأديب الشاعر الفقيه، شريف النفس، وأنه من أحسن من كتب عن رحلة الحج ووصف صروف تلك المرحلة. أه. والعجيب في أمره أنه أقام ما يشبه الدورة التدريبية للحج في شهر شوال، وكأنه يمارس نوعاً من (المحاكاة)، يصف فيها المشاعر والمناسك وأماكن الحج قبل الوصول إليها وممارستها في وقتها.
ومن طرائف رحلته أيضاً قصة رؤية هلال ذي الحجة، وما صاحبها من تزييف للرؤية رغبة من بعض المغاربة والمصريين أن تكون الوقفة يوم الجمعة. يقول ابن جبير: (شهر ذي الحجة، عرفنا الله بركته استهل هلاله ليلة الخميس بموافقة الخامس عشر من مارس) إلى قوله: (وقال: يا للعجب! لو أن أحدهم يشهد برؤيته الشمس تحت ذلك الغيم الكثيف النسج لما قبلته، فكيف برؤية هلال هو ابن تسع وعشرين ليلة)!
ويظهر في هذا النص كيف كان الناس يتعاملون مع الحج بعاطفة جياشة، حتى إن بعضهم يتمنى توافق عرفة يوم الجمعة بأي طريقة، ولو بالتوهم أو المبالغة.
ولم تكن مشقة الحج مقصورة على الأوائل فقط، بل حتى مع بدايات السيارات بقي الطريق قاسياً. ففي رحلة الحج من موريتانيا للشيخ محمد الأمين الشنقيطي صاحب (أضواء البيان)، يصف تعطل السيارات بقوله: (فوقفت السيارات في أرض كثيرة الطين والماء، فصار يجتمع على كل واحدة من السيارات إذا ارتطمت في الوحل قريباً من مئة رجل من الراكبين يجرونها بالحبال من وحل الطين، وكلما نزعوها من ورطة ارتطمت في أخرى)، ثم يذكر أنهم مكثوا ثلاثة عشر يوماً بين المطر والبعوض والحمى.
وهذه المشاهد تذكرني بما كان يرويه إبراهيم الحسون عن غرز السيارات في الرمال شمال المملكة، وكذلك ما حكاه المازني حين قدم إلى مكة وغرزت بهم السيارة، بل حتى الرحالة الياباني سوزوكي تكرر معه المشهد في (بحرة) بين مكة وجدة. وكأن للحج ذاكرة مشتركة من التعب والوحل وتعطل الطريق، وإن اختلفت الوسائل والأماكن والأزمان.
ومن المواقف الطريفة أيضاً ما وقع يوم عرفة بالقرب من مسجد نمرة، حين قابل بعض الحجاج الأميرين تركي السديري وخالد السديري، فقال الراوي: (فجلسنا قليلاً في ظل الضحى من خيمتهم ننتظر رفقتنا، فآوونا وأكرمونا غاية الإكرام).
ثم سأل الأمير خالد عن إعراب بيت جرير:
هَلْ تَتْرُكَنَّ إِلَى القِسِّينَ هِجْرَتَكُمْ
وَمَسْحِهم صَلْبَهُمْ رَحْمَنَ قُرْبَانَا
فسرد عليهم واحداً وسبعين بيتاً من القصيدة، وفصل في إعرابها بين المصدر والبدل، في مشهد يجمع بين الحج والأدب والنحو في خيمة واحدة، ولا أدري مما أعجب، من سعة علم الشيخ أم من ثقافة الأميرين.
أما أحمد أمين، فكان له وصف مختلف للحج سنة 1937م مع بعثة الجامعة المصرية، إذ قال إنه لا يريد الإطالة في وصف الطريق، لأن الناس كثيراً ما وصفوه، لكنه لفت إلى أمر مهم، وهو أن الشعور الديني يخفف على الحجاج مشقة السفر، بل يجعلهم يغضون الطرف عن الفوضى والعقبات، فلا يتحدثون إلا عن المحاسن. ثم يقول إن أكثر ما هز قلبه رؤية الكعبة، والطواف، ومشهد عشرات الآلاف بلباس أبيض بسيط في عرفات.
ومن أمتع من كتب عن الحج الرحالة الياباني تاكيشي سوزوكي، الذي سمى نفسه (محمد صالح). وقد حج ثلاث مرات، وكتب بانبهار عن سماء الجزيرة العربية فقال: (لا مثيل لسماء ليالي جزيرة العرب بنجومها الساحرة الخلابة)، ثم يقارنها بسماوات المحيط الهادي التي رآها في أسفاره الطويلة، ويؤكد أن جمال سماء الجزيرة يصل أثره إلى أعماق القلب.
وفي سنة 1361هـ طبع كتابه الذي سماه باليابانية: (Seichi Makkah Journey) أي: الحج إلى مكة المكرمة، بعد سنوات من رحلته الثالثة.
ومن المعاصرين الذين كتبوا بروح أدبية جميلة حسين محمد بافقيه، إذ جمع مقالاته في كتاب يتحدث فيه عن مشاعر الحجاج واختلاف ثقافاتهم، ويقول: (الحج تَحْمِلُ شعائره معنى الاكتمال، وكأنه حالة من حالات (العبور)، يتخطى بها الحاج حياةً مَضَتْ، ويستعيد فيها زمن الفِطْرَة والطبيعة المخض، يرجع فيها إلى لحظة الميلاد).
ومن اللطيف أيضاً ما أشار إليه في قضية التسويق والتشويق للحج، وكيف أن كتب التراث نفسها كانت تمارس هذا الإغراء الجميل بالأسماء قبل المضمون، مثل: (مثير العزم الساكن)، و(التشويق إلى حج البيت العتيق)، و(إثارة الترغيب والتشويق). وكأن تلك الكتب لا تكتفي بوصف الحج، بل تريد أن تصنع الشوق إليه.
وفي باب التحولات الروحية تبرز رحلة ناصر خسرو، تلك الرحلة التي بدأت برؤيا غيّرت مجرى حياته. فقد رأى في المنام من يعاتبه على شرب الخمر، ويدله على طريق الهداية، حتى قال لنفسه بعد أن استيقظ: (لقد صحوت يا ناصر من نوم البارحة، فجدير بك أن تنتبه من نوم الغفلة التي استغرقت حياتك كلها). فاغتسل، وتوضأ، واتجه إلى المسجد، وبدأ رحلة جديدة مع نفسه قبل أن يبدأ رحلته إلى الحج. الغريب في وصف الرحلة ذلك الأسلوب القريب من لغتنا المعاصرة، مع أن النص يعود إلى منتصف القرن الخامس، ونحن الآن في منتصف الخامس عشر، أي أن بيننا وبين صاحبها ما يقارب ألف عام. وهذا ما يثير في نفسي الشك والحيرة، ويجعل احتمال الانتحال وارداً.
ولأن الرحلات تكشف طبائع الأمم، فقد وصفت أميرة بوبال الهندية بعض مظاهر الحياة الاجتماعية في مكة، وتحدثت عن الطعام والأعراس والعادات، لكنها بالغت كثيراً في بعض أحكامها على أهل مكة، حتى وصفتهم بالتسول والشحاذة، وتحدثت عن كثرة الزواج والطلاق بين النساء. ومثل هذه الأحكام تكشف أحياناً عن الرحالة أكثر مما تكشف عن البلاد التي يصفها.
ومن الكتب التي أشار إليها الشيخ صالح الحصين - رحمه الله - ورحم من سبق ذكره من العلماء والرحالة والأدباء ومن سيأتي ذكره، رحلة محمد أسد إلى مكة، وقال إن قارئها كأنه يشاهد فيلماً سينمائياً، لما فيها من عمق في التأمل، وقدرة على التحليل، ودقة في التقاط التفاصيل. وقد استهل محمد أسد كتابه بمقدمة جميلة لخص فيها حكايته بأنها قصة: (رجل أوروبي اكتشف الإسلام واندمج مع مجتمعه).
ثم يقول محمد أسد رحمه الله: (صحيح هناك تدهور في حال المسلمين ولكن في الأديان الأخرى أكثر تدهوراً، ومازال الإسلام قادراً على العطاء.. دينهم قادر على منحهم الحياة السعيدة المطمئنة التي تعينهم على التغلب على الأزمات الأخلاقية التي يعيشها الغرب).
وهكذا تبقى رحلات الحج أكثر من مجرد انتقال من بلد إلى بلد، إنها انتقال في الداخل أيضاً. فمنها ما يغير فكرة، ومنها ما يصحح روحاً كما (رواء مكة) لحسن أوريد، ومنها ما يحفظ لنا تفاصيل الأزقة والسماء والناس، لتتحول الرحلة بعد سنين إلى تاريخ يمشي على الأرض.

ذو صلة