مجلة شهرية - العدد (598)  | يوليو 2026 م- محرم 1448 هـ

آراء الفلاسفة القدماء في الصداقة

عدَّ الفلاسفة اليونانيون القدماء الصداقة ضرورية للحكمة والفضيلة والمجتمع. فهل لم تزل الصداقة في العالم المعاصر مهمة أخلاقياً من المنطلق ذاته؟
كانت الصداقة (أو (philia) بلغة اليونان) في الفلسفة اليونانية القديمة عنصراً جوهرياً في الوقوف على أسلوب تفكير المرء وتصرفاته وتنظيمه لمجتمعه. ومع ذلك، سنلاحظ أن مفكرين أمثال أفلاطون وأرسطو وسقراط كانت لديهم رؤية مختلفة نوعاً ما عن رؤيتنا الحالية لهذه المسألة. مما لا شك فيه أنهم اهتموا بالعلاقات الشخصية، شأنهم شأن الحركات الفلسفية الأخرى مثل الأبيقورية التي أسسها أبيقور والرواقية. لكن كان هناك بُعدٌ إضافي أيضاً تبلور في شعور بأن كونك صديقاً قد يسوقك نحو الحكمة والحياة المبنية على الأخلاق، بل قد يسهم في تحقيق التناغم السياسي. لنستكشف معاً هذا البُعد.
الصداقة السقراطيَّة: البحث عن الحقيقة معاً
الزيارة (الأختان)، بابلو بيكاسو، 1902. المصدر: موقع Artchive
لم يكن سقراط ينظر إلى الصداقة على أنها مجرد علاقة عابرة، بل عدَّها سبيلاً لاكتشاف الحقيقة وبلوغ مرتبة الحكمة. فقد كان يعتقد أن الأصدقاء الحقيقيين يستغلون علاقتهم لتنمية عقول بعضهم بعضاً. فمفهوم الصداقة لديه كان يعني مساعدة الآخرين على التحسن والارتقاء أفراداً، سواء على المستوى الأخلاقي أو الفلسفي، وليس مجرد مرافقتهم ومصاحبتهم.
ولإقناع أصدقائه بهذه الرؤية، كان سقراط - الذي لا بد أن رفاقه صبروا عليه صبراً طويلاً - يطرح عليهم كثيراً من الأسئلة التمهيدية ويختبر إجاباتهم. وقد عُرِفَ هذا الأسلوب لاحقاً بالمنهج السقراطي، وهو طريقة للوصول إلى عمق المسائل بالتحاور.
ولمّا كان يرى أن الحكمة الحقيقية لا يملكها أحد (بمن في ذلك هو نفسه)، فقد اعتقد أن الحوار مع الآخرين هو السبيل الوحيد للشروع في فهم الذات والعالم المحيط.
كان أفلاطون وألكيبيادس من بين أصدقاء سقراط المقربين. وفي حين عكفَ الأول على توثيق حواراته مع أستاذه وابتكار نظامه الفكري الخاص، كان الثاني قائداً عسكرياً عبقرياً لكنه متهور، وكان يكنُّ لسقراط إعجاباً عميقاً، لكنه في الوقت ذاته كان يشعر بالإحباط من نقاشاته معه.
لم تكن هذه الروابط ذات شأن بالنسبة إلى سقراط على المستوى الشخصي فحسب، بل كان لها دور عميق في رسم مسار الفلسفة الغربية برمّتها.
لقد كان سقراط يتبنى تصوراً مميزاً للصداقة، إذ رأى أن جوهرها لا يكمن في مجرد تقديم العون عند الشدائد، بل في تحفيز الأصدقاء بعضهم بعضاً على التساؤل والاستقصاء والبحث عن الحقيقة.
ولم تزل هذه الرؤية صائبة حتى يومنا هذا. فالصديق الحقيقي هو من يدفعنا إلى تطوير ذواتنا، ويحفزنا على إعادة النظر في قناعاتنا، ويشجعنا على السعي الدائم وراء معرفة أعمق وأكثر رسوخاً.
أفلاطون عن الصداقة: الحب والروح والأشكال العليا
الصديقات، غوستاف كليمت، 1917. المصدر: موقع Gustav-Klimt.com
كان أفلاطون يرى أن الصداقة تتجاوز مجرد الرفقة، فهي سبيل إلى الارتقاء بالحكمة والجمال والاقتراب من الحقيقة. وفي محاورتيه «المأدبة» و»ليسيس»، تناول كيف يمكن لآصرة عميقة بين شخصين أن تسمو بروح الفرد وتقوده نحو ما هو إلهي وخالد.
ووفقاً لأفلاطون، تتعدد أشكال الحب والصداقة. فبعضها يقوم على المتعة المشتركة أو الجاذبية الجسدية، لكنها علاقات زائلة ومعيبة بطبيعتها. أما الصداقة الحقيقية، فإنها مختلفة جوهرياً، إذ تستند إلى أسس روحية أو فكرية، وتدفع كلا الطرفين إلى الارتقاء نحو معرفة أعمق وخير أسمى.
في حوار «المأدبة»، يقدّم سقراط، أستاذ أفلاطون، تصوراً للحب بوصفه سُلّماً يرتقي بالإنسان من مستوى إلى آخر أسمى وأرقى. ويبدأ هذا السلّم بانجذاب جسدي يمنحنا متعة الجمال الظاهر، لكنه يتطور بحيث يقودنا إلى تقدير الجمال الداخلي تقديراً يفوق الجمال الخارجي.
وبالنسبة لأفلاطون، كانت الصداقة الحقيقية أشبه بمرآة للروح، فالأصدقاء الصادقون لا يكتفون بالمرافقة، بل يُظهرون أفضل ما فيك ويعينونك على بلوغ منتهى إمكاناتك وطاقاتك، مما يتيح لك نمواً فردياً، على المستويين الأخلاقي والفكري، نحو الخير الأسمى.
وقد كان أفلاطون يؤمن أن الأصدقاء الذين يجمعهم نقاش فكري عميق أو اهتمام مشترك بالقيم الرفيعة، مثل الحكمة والفضيلة، هم الأقدر على الحفاظ على صداقتهم مدى الحياة، لأن رابطهم يتجاوز المشاعر المتقلبة.
وفي عصرنا الحديث، يبدو أن رؤيته لم تزل صائبة. فالصديق الحقيقي ليس مجرد رفيق تُحسِن قضاء الوقت معه، بل هو مَن يلهمك التفكير بعمق أكبر، واكتشاف حقائق عن نفسك وعن العالم من حولك، والسعي معاً نحو الارتقاء إلى التحلي بأفضل السمات التي تتسمان بها.
أنواع الصداقة الثلاثة عند أرسطو: المنفعة والمتعة والفضيلة
الشرفة، إدوارد مانيه، حوالي 1868-1869. المصدر: متحف أورسيه
كان أرسطو يرى أن الصداقة عنصر جوهري للحياة السعيدة والمكتملة، لكنه لم يكن يقصد أي نوع من العلاقات العابرة. فقد صنّف الصداقة في كتابه «الأخلاق النيقوماخية» (Nicomachean Ethics) إلى ثلاثة أنواع مميزة، لكل منها مستوى مختلف من العمق.
أولها صداقة المنفعة، وهي التي تنشأ حين يرتبط الطرفان لتحقيق مصالح متبادلة. فقد يجمعهما عملٌ مشترك أو دراسة في الجامعة نفسها أو تبادل خدمات بعينها. وغالباً ما تنتهي هذه الصداقات فور زوال حاجة الطرفين للآخر، كأن يتوقف أحدهما عن طلب المساعدة في الواجبات الدراسية أو توصيله إلى المنزل بعد الفعاليات والمناسبات.
أما النوع الثاني فهو صداقات المتعة، إذ يستمتع الأصدقاء بممارسة الأنشطة المشتركة ويقضون الوقت مع بعضهم طالما كان ذلك ممتعاً. وإذا ما انتهى عنصر المتعة (على سبيل المثال، إذا شعر أحد الطرفَين بالملل أو الضيق)، فقد لا تكون هناك ضرورة لاستمرار لقاءاتهم الاجتماعية، على الأقل ليس بشكل منتظم.
إن أسمى أنواع الصداقة وأندرها على الإطلاق، وفقاً لأرسطو، هو الذي يقوم على الاحترام المتبادل والقيم المشتركة والالتزام بتطور كلا الصديقين أخلاقياً وفكرياً. وتُعَد هذه الصداقات عميقة ومستدامة وإيثارية، لأنها مبنية على تقدير جوهر شخصية كل صديق، وليس على المنافع التي يقدمها.
كان أرسطو يرى أنه لا يمكن لأحد أن يبلغ السعادة من غير صداقة من هذا النوع. ونجد في نصيحته اليوم تذكيراً لنا بضرورة بناء علاقات تحثنا على التخلق بالفضيلة، وفي الوقت ذاته تتحدى حدودنا وتكون مصدرَ إلهام لنا. ولا بد أن تساعدنا هذه الروابط في صقل شخصياتنا، وربما يكون ذلك عبر قدوة صالحة نحاول الاقتداء بها وتطوير ذواتنا على خطاها.
الصداقة الأبيقورية: مفتاح السعادة
أختان على أريكة، بيرت موريسو، 1869. المصدر: المعرض الوطني للفنون
لم يكن أبيقور يرى الصداقة مجرد أمر مهم، بل عدّها ضرورة لتحقيق السعادة. وفي حين ظنّ فلاسفة آخرون أن الأصدقاء مفيدون لأنهم يعينونك على اكتساب الحكمة أو الفضيلة، رأى أبيقور أن وجودهم بحد ذاته مصدر للطمأنينة، إذ يمنحون المرء شعوراً بالأمان ويزيدون الحياة بهجة.
وكان أبيقور يرى أن الصحبة الطيبة تمكّنك من مشاركة اللحظات السعيدة وتقاسم الأعباء عند الشدائد. وإذا تسلل إليكَ الخوف من الوحدة أو الموت - وهو أمر شائع بين الناس في رأيه - فإن الأصدقاء المخلصين هم من يخففون تلك المخاوف ويبعثون السكينة في صدرك.
وانطلاقاً من هذه الفكرة، أسَّسَ أبيقور مدرسته الشهيرة خارج أثينا، وأطلق عليها اسم (الحديقة)، حيث عاش مع أصدقائه حياةً بسيطة بعيدة عن صخب المدينة. لم يملكوا ثروات كبيرة، لكنهم وجدوا رضاهم في متع بسيطة، مثل الحوارات العميقة وتناول الطعام معاً والاستمتاع بصحبة بعضهم بعضاً.
ورغم أن زخارف الحياة الثمينة قد تمنح شعوراً عابراً بالرضا، فإن الصداقات الصادقة تظل مصدراً أكثر ديمومة للسعادة، وهي حقيقة ما زالت سارية حتى يومنا هذا.
ومع ذلك، ثمة جدل دائر حول ما إذا كانت تلك العلاقات قائمة على الإيثار الحقيقي أم أنها وسيلة لتخفيف حدة القلق وجلب المتعة. فهناك من يرى أن أبيقور عدَّ الصداقة أداةً للوصول إلى السكينة النفسية، في حين يؤكد أتباعه أن الصداقة بحدِّ ذاتها مصدر للسعادة وليست مجرد وسيلة إليها.
وفي عصرنا هذا الذي يعاني فيه كثيرون من التوتر والوحدة، يبقى هذا الدرس القديم حيّاً: إن أردتَ حياة سعيدة، فلتُحِطْ نفسك بأصدقاء مخلصين. فليس امتلاك الأشياء هو ما يجلب السعادة حقاً، بل دفء العلاقات الإنسانية الصادقة.
الصداقة الرواقية: الواجب والعقل والآصرة الكونية
حامل الزهور، دييغو ريفيرا، 1935. المصدر: موقع Artchive
لم تكن الصداقة في نظر الرواقيين أمثال سينيكا وإبيكتيتوس وماركوس أوريليوس محض مشاعر إعجاب أو انجذاب شخصي، بل كانت قائمة على أسس الفضيلة وأداء الواجب والتفكير العقلاني السديد. فالرواقي لا يسعى إلى الأصدقاء طلباً للعزاء عند الشدائد، وإنما ينتقي رفاقه من بين الحكماء والعقلاء الذين يعرفهم حق المعرفة.
وعلى عكس غيرهم من الفلاسفة الذين انصب تركيزهم على دائرة ضيقة من الأصدقاء المقربين، وسَّع الرواقيون مفهوم الصداقة بحيث يشمل البشر جميعاً. فكونك صديقاً لشخص ما، يعني في منظورهم أن تعامِلَ ذلك الشخص بالقدر نفسه من الاحترام والإنصاف الذي تعامل به أي إنسان عاقل - بل أي كائن عاقل - سواء كنت تعرفه أم لا.
كتبَ ماركوس أوريليوس، الإمبراطور الروماني الذي دوَّنَ كثيراً من الأفكار الرواقية المعروفة، أننا جميعاً نُشكّل جزءاً من عائلة واحدة كبيرة. ويرجع ذلك إلى اعتقاده أن كل شيء في العالم يتبع قانوناً عقلياً، لا يفهمه بشكل كامل سوى البشر.
قد تبدو الصداقات في الفلسفة الرواقية متحفظة بعض الشيء مقارنة بما نعهده اليوم من علاقات مثيلة، إذ يُشجَّع الأفراد على مشاركة مشاعرهم والاعتماد على أصدقائهم التماساً للدعم. لكن الرواقية كانت ترى الصداقة الحقيقية انعكاساً لقدرتنا على الاعتماد على أنفسنا بشكل إيجابي.
ففي منظورهم، تدور الصداقة في مدار ما نمنحه للعلاقة وليس في مدار ما نجنيه منها. وقد كان الرواقيون يؤمنون بأن غلبة العاطفة كثيراً ما تؤدي إلى إضعاف المنطق، وهو أمر يتعارض مع التزامهم العميق بالعقل والتفكير السليم.
ومع ذلك، لم يكونوا يرفضون وجود الأصدقاء المقربين. فالرواقية في جوهرها فلسفة عملية تصلح للحياة اليومية بقدر صلاحيتها في اليونان وروما القديمتين. ولذلك أكد الرواقيون أهمية الصداقة، لكنهم شددوا في الوقت ذاته على ضرورة التعامل معها بالطرق التي تنسجم مع العقل والحكمة.
الدور السياسي والأخلاقي للصداقة في المجتمع اليوناني
جون سينغر سارجنت، قرنفل وزنبق وورد، 1885 - 1886. المصدر: معرض TATE.
لقد كانت الصداقة في اليونان القديمة تحمل بُعدَين متلازمَين، أحدهما شخصيٌّ والآخر سياسي. فقد كان فلاسفة مثل أفلاطون وأرسطو يرون أن المجتمعات تزدهر حقاً حين يقيم أفرادها علاقات وثيقة قوامها الثقة المتبادلة.
وقد عدّوا الأفعال المرتبطة بالصداقة الركيزة التي تقوم عليها الفضائل المدنية، مثل العدالة والتعاون والإخاء، وأن هذه الفضائل لا يمكن أن تزدهر من دون وجود روابط إنسانية قوية ومتينة.
وقد آمنَ أرسطو بأن الحكم الرشيد لا يتحقق إلا بوجود روابط صادقة بين الحاكم والمحكومين، داعياً القادة إلى بناء علاقات ترتكز على الفضيلة والقيم المشتركة وليس على المصالح الضيقة الأفق والمكاسب المتبادلة. فالقائد الذي يعامل شعبه كأصدقاء يحكم بعدل، أما مَن تدفعه طموحاته الأنانية فإن مصيره أن يتحول إلى طاغية.
وفي السياق ذاته، أكد أفلاطون في كتابه (الجمهورية) أن المجتمع العادل يقوم على روابط قوية بين أفراده، إذ يعين الناسُ بعضهم بعضاً بدافع الرغبة الخالصة وليس بدافع الإلزام أو الخوف.
وليس من الصعب علينا أن نلمس صدى هذه الرؤى في عصرنا الحالي، إذ تركز السياسة غالباً على ما يفرِّق الناس، مثل المصالح الذاتية أو مجرد السعي وراء السلطة، مما يضيق المجال أمام القيادة الأخلاقية أو تماسك المجتمع وتعاضد أفراده.
ألن تكون الدول أفضل حالاً إذا أعطى المسؤولون والمواطنون الأولوية للصداقة والثقة والصالح العام بدلاً من التناحر حول السياسات وتشارُك الموارد؟
لقد كان لدى الإغريق القدماء مصطلحٌ يصف هذا الشكل من الصداقة التي تجمع بين الناس في روابط جماعية وليست فردية أطلقوا عليه اسم (philia). وربما تحمل هذه الفكرة القديمة ما يدعونا إلى التأمل في كيفية تعايش الدول معاً اليوم، أو في أسباب عجزها أحياناً عن ذلك.
ما دور الصداقة إذن في الفلسفة اليونانية القديمة؟
حاصدات السنابل، جان فرانسوا مييه، 1857. المصدر: ويكيميديا كومنز
كان المفكرون اليونانيون القدماء يرون أن الصداقة أعمق من كونها مجرد رابطة شخصية، رغم أهميتها، إذ عدّوها ركناً ركيناً لعيش حياة أخلاقية مرضية، وهي فكرة لم يزل يتردد صداها في السياسة المعاصرة.
كان سقراط يرى أن الصداقة تقوم على ممارسة الفلسفة معاً، بينما اعتقد أفلاطون أنها وسيلة لارتقاء الأرواح نحو مراتب أسمى من الحقيقة والجمال. أما أرسطو، فوافقهما الرأي لكنه ميّز بين أنواع مختلفة من الصداقات بحسب طبيعتها وعمقها.
وفي المقابل، عدَّ أبيقور الأصدقاء مصدراً للطمأنينة والراحة النفسية، مؤكداً أن السعادة الحقيقية يصعب بلوغها، وربما يستحيل نيلها، من دون رفقة صالحة. أما الفلاسفة الرواقيون فدعوا إلى حصر الصداقات الوثيقة في دائرة ضيقة تضم أشخاصاً يتقاسمون القيم ذاتها، مع الاكتفاء بوجود عدد كبير من المعارف دون بناء روابط عميقة إلا نادراً.
تذكّرنا الفكرة اليونانية القديمة بأن الصداقة الحقيقية ليست مجرد تواصل بين الأفراد، بل هي شراكة في السعي لجعل العالم مكاناً أفضل وأكثر إنسانية.

ذو صلة