في عام 2010، نشر أستاذ علم (الأحياء) في جامعة (كورنيل) كتابه المُدهش: Honeybee Democracy أي: (ديموقراطية نحل العسل)، ثم قام عام 2024 كل من (أحمد العطية)، و(محمد العطية) بترجمته تحت عنوان: (ديمقراطية النحل: الحياة في المستعمرة) (دار سطور، بغداد). ويضاف هذا الكتاب إلى سلسلة كتب المؤلف الأخرى: (حكمة الخلية) (2009)، و(بيئة نحل العسل) (2014)، (تتبع النحل البري) (2019)، (حياة النحل) (2019). مما يعكس (شغفه الخاص) -وهو من مربي النحل- بتلك الحشرات الاجتماعية العجيبة. لكن يبدو الأمر أوسع وأشمل من (الممارسات الديمقراطية) عند النحل. حيث نشاهد اتخاذ (أمم أمثالنا) من الدواب والطير قرارات (مصيرية) بشأن البحث عن الغذاء، أو اختيار البيت والمسكن، أو اختيار قادتها.
تقتات قرود (المكاك التونكية) (Macaca tonkeana) في غابات (سولاويزي) بإندونيسيا على الفاكهة. وتتوزع كماً وكيفاً على أشجارها المثمرة. لذا يتعين تقرير الاتجاه الذي ستتحرك فيه بحثاً عن طعام جديد، وتحسم خياراتها (الشورية) عبر التصويت بالأغلبية. فعندما يرغب أحد القرود في تحرك المجموعة، يخطو خطوات في الاتجاه المطلوب، ثم يتوقف، ويدير رأسه نحو البقية. فيشير لضرورة انتقال المجموعة إلى منطقة غذاء جديدة. ثم تقرر القرود الأخرى ما إذا كانت ستؤيد الاتجاه المقترح، أو ستقدم بنفس المنهجية الحركية الدالة على المكان بديلاً له. في حال اقتراح البديل، يصوّت كل فرد بالانضمام لمرشحه المفضل (الأصيل أو البديل). وبتصويت الأغلبية، ينحاز بحسم المترددين إلى أغلبيتهم، فيسيرون معهم دون الالتفات للآخرين. أما الذين اختاروا المقترح (البديل) الخاسر، فيعودون أدراجهم ويلحقون بالمجموعة. وكما هو الحال مع معظم الدواب من الرئيسيات، يحافظ هذا النوع من القرود على تسلسل هرمي اجتماعي صارم. لكن كل أفراد المجموعة يتشاورون ويصوتون في مثل هذه القرارات. ويحق لأي فرد المُبادرة بالتصويت، بغض النظر عن عمره أو جنسه أو مكانته في التسلسل الهرمي. على نقيض ذلك، فالأفراد الأكبر سناً أو الأكثر هيمنة هم من يتخذون القرارات في أنواع أخرى من القرود كقرود (المكاك الريسوسي).
وفي (أوراسيا)، يعيش (الأيل الأحمر) (Cervus elaphus) في قطعان كبيرة، ويقضي معظم وقته في الرعي والاجترار. ويستعد بعضها للرحيل قبل غيره. ولا يتحرك قطيع إلا عندما يوافق 60% من البالغين فيه. فيعبّر عن رأيه بالتحرك حتى لو كان الفرد (المهيمن) أكثر خبرة ودراية من صغاره. لكن قطعان (الأيل الأحمر) تُفضّل القرارات (الشورية/ الديمقراطية) على القرارات (الاستبدادية). وتختلف مناطق الرعي المتاحة لـ(الجاموس الأفريقي) (Syncerus cafer) بناءً على تجربة رعيها السابق، وخبرة الأنواع الأخرى المُستندة على سرعة وجودة نمو النباتات، والوقت المُستغرق للوصول إليها. ويظهر نمط (غريب) تنهض فيه الإناث أثناء الراحة، وتتحرك قليلاً، ثم تعود للاستلقاء. وفسّر هذا على أنه (تمديد للأرجل)، لكن لوحظ أن الجاموس يتخذ وضعيةً معينةً بعد تحريك أرجلها وقبل الاستلقاء مجدداً. يبدو أنها تحدق في اتجاه واحد، وتبقي رأسها أعلى من وضع الراحة المعتاد، ودون وضع اليقظة.
ويستمر هذا السلوك: الوقوف والنظر والاستلقاء لساعة تقريباً، لكن يبقى (الانطباع) العام أن القطيع في راحة تامة. لكن سلوك التمدد البسيط هو وسيلةً لإبداء موقفها. فبعد لحظات، يبدأ كل قطيع الجاموس بالتحرك مستقلاً عن بعضهم البعض، لكن في نفس الاتجاه. وبدلاً من تغيير وضعياتها لتصبحن أكثر استرخاءً، كانت إناث الجاموس (تُشير) للاتجاه الذي ترغبن السير فيه. ويمكن التنبؤ بالاتجاه النهائي المُختار عبر (أغلبية) الناظرين نحوه منذ بداية الأمر. وإذا تساوت (المشورة) بين اتجاهين، فإن القطيع ينفصل ليلاً، ويرعى في مواقع مختلفة، ثم يجتمع صباحاً، فيندمج معاً. ويُسمح فقط لإناث الجاموس الأفريقي البالغات بالتصويت بغض النظر عن موقعهن في التسلسل الهرمي للهيمنة. ويحق لأي أنثى اقتراح مسار للتحرك.
وفى الخيول البرية، تبذل بعض الأفراس جهداً كبيراً في إرضاع صغارها، مما يجعلهن مقارنة بغيرهن من غير المرضعات بحاجة لتناول المزيد من الغذاء والانتقال لمرعى وفير جديد غني بالعناصر الغذائية. لكن بعض الخيول قد تُفضّل الراحة، فماذا يفعل القطيع؟ تنفذ أيضاً إستراتيجية الجاموس الأفريقي: الانشطار والاندماج. فتنشطر الأفراس المرضعة الراغبة في إيجاد مراعٍ غنية بالمغذيات المطلوبة، بينما يبقى باقي القطيع للراحة. مما يشبه (المشورة الفيدرالية) لصنع قرار تتوافق مع أنواع من المصالح المشتركة/ المتداخلة/ المتضاربة.
اقتراع بـ(العطس) وبالصوت
تتشاور وتصوت (الكلاب البرية الأفريقية) (Lycaon pictus) لاتخاذ قرارات مجموعاتها. فتصدر أصواتاً تشبه (العطس)، وموظفة لـ(النصاب القانوني) لأخذ قرار: التوقف عن الراحة والاسترخاء، وبدء توقيت عملية الصيد. ثم يتم إحصاء معدلات العطس أثناء (الاجتماعات التشاورية) للتصويت على الموضوع. وإذا بدأ الأعضاء (المهيمنون) الاجتماع فمن المحتمل أكثر أن يؤدي ذلك للخروج للصيد، ويتطلب الأمر عطستين أو ثلاثاً لتبدأ المجموعة عملية الصيد. لكن إذا رغب أعضاء أقل مرتبة، ومن أحزاب الأقلية، لكنهم أكثر جوعاً بدء الصيد لسد رمقهم، فعليهم تدشين الاجتماع التشاوري، والعطس أكثر لحوالي 10 مرات لأخذ الموافقة. وفي حيوانات (السرقاط)، يجب الانتقال من مكان لآخر معاً. ويصدر أحدهم (نداءً للتحرك). وإذا أصدر ثلاثة سراقيط أو أكثر نداءات بالتحرك خلال فترة وجيزة، ستُسرّع المجموعة من حركتها، ولكن لا يؤثر نداء اثنين أو أقل على سُرعة التحرك. ففي عالم السراقيط، يعتبر الرقم ثلاثة إجماعاً شورياً بشكل واضح.
ولوحظ أن أمم الكلاب والذئاب والقيوط تمارس قواعد وأعرافاً خاصة باللعب (المهاري والتعليمي والتدريبي). ويمكنها تعديل بعض أفعالها (كالعض، والزمجرة، والتدحرج، والقفز) الحاملة لمعانٍ معينًة في سياق الصيد أو التزاوج، وتوظيفها بشكل مختلف في سياق هذه النوع من اللعب. لكن باتفاق (شوري) متبادل بين المشاركين فيه. فأفراد المجموعة بحاجة لإشارات دالة على أنهم يلعبون، ورضا المشاركين بقواعد اللعب. وعلى الأفراد (ذوي الرتب العالية) تقبّل ما يُعتبر (إهانة/ عدم احترام) لرتبتهم في سياقات أخرى، لكي ينجح هذا اللعب. وعلى الأفراد الأقوياء جسمانياً (كبح جماح) قوتهم (الباطشة) لتحقيق مبدأ (تكافؤ الفرص) بين كل اللاعبين. ويُقدّم هذه الأمر رؤية للتنسيق والمشورة واتخاذ القرارات السلطوية في هذه الأمة من الكلاب.
التصويت على بيت/ مسكن/ ملجأ جيد
بنهاية الربيع، تكبر خلايا نحل العسل (Apis mellifera) وتتجاوز سعتها، فتنقسم لقسمين. وتغادر الملكة الأم ونصف النحلات العاملات بحثاً عن بيت جديد، بينما تبقى الملكة الابنة والعاملات المتبقيات في مكانهن. ويُحدد القسم المُغادر مكاناً مؤقتاً للراحة على غصن شجرة قريب، ويبدأ بمسح المنطقة المحيطة. وتنتشر مئات النحلات الكشافة بحثاً عن موقع مناسب لبيت جديد. وبعودتهن ينعقد (مجلس شورى الحكيمات). فتُشير كل كشافة للمكان الذي وجدته عبر رقصة اهتزازية أمام الباقيات. ولأيام، تقضي الكشافة ما يصل إلى ست عشرة ساعة في الرقص، وتدافع كل منهن عن موقع محتمل. ثم يحدث (الإجماع) ويتوقف البعض عن الرقص، بينما يُغير آخرون أسلوبهم في الرقص لدعم الخيار الأكثر شيوعاً. ولوحظ عدم وجود نحلة (عليمة) بكل شيء. لذا فالجهد المعرفي لكل واحدة ضئيل مقارنةً بمعلومات السرب بأكمله. وبالنسبة لنحل العسل، يمتلك عدد قليل من الأفراد معلومات قيّمة، يعتمد عليها باقي أفراد المجموعة. ومع ذلك، غالباً ما تضطر معظم الأنواع الاجتماعية إلى اتخاذ قرارات دون الاستعانة بمعرفة النخبة من الخبراء.
بينما يختار النمل الصخري، في جنوب إنجلترا، موقع المسكن الجديد بناءً على جودة الموقع، مع وضع حجم المدخل والظلام ضمن المعايير المُقررة. ويبدو أن النمل يستخدم نظام تصويت بسيط، عبارة عن ترك المسكن إذا لم تدرك النملة أن جودة الموقع عالية بما يكفي. وعندما يتجمع عدد كاف من النمل في الموقع، تعتبر جودته مناسبة (أو ربما أفضل ما يمكن العثور عليه في المنطقة) فينتقل إليه النمل. وإذا انخفضت الجودة لاحقاً، ينتقل النمل بعيداً لموقع آخر إلى أن يرحل عدد كاف من المُستعمرة عن المسكن الأصلي وينضم إلى الجديد. ويعتبر هذا النظام بسيطاً لكنه فعال على ما يبدو. ولا تمتلك الصراصير بنى اجتماعية معقدة كالنحل والنمل، لكنها قادرة على اتخاذ قرارات ديمقراطية. ولاختبار ذلك، أطلق باحثون 50 صرصوراً إلى ثلاثة ملاجئ، يتسع كل منها لـ 50 فرداً. ولتفضليها الظلام على الضوء، فانقسمت الحشرات بسرعة لمجموعات ولجأت إلى الملاجئ. وبدلاً من التصرف بشكل فوضوي، انقسمت لمجموعات من 25 فرداً، حيث ملأ نصفها ملجأين وترك الثالث فارغاً. وعندما وُضعت ملاجئ أكبر، شكّلت مجموعة واحدة في واحد منها فقط. وكانت تُوازن بين التعاون والتنافس على الموارد: بدون تواصل مُفصّل، أو معلومات شاملة، أو مقارنة للفرص المتاحة.
انتخاب القادة
لا يستطيع أي ذكر (مهيمن) (Dominant male) من أمة (الشمبانزي)، الحكم لفترة طويلة دون دعم كتلة (تصويتية انتخابية) أساسية هي: الإناث. ويجب أن يحظى بقبولهن قبل تبوئ مكانه ومكانته. وذلك لسبب مهم: إذا لم يوافقن عليه، فلن يسمحن له بالتزاوج، وسيقل نسل القطيع والمجتمع. و(البابون) من القرود، لكن ليس من القردة العليا. وأيضاً، يجب أن يحظى الذكر المهيمن بموافقة الإناث. وتبدو الكلمة الأخيرة للذكور والإناث ذوي الرتب والمكانة العالية. لكن في قطعان الأفيال، تُختار الأنثى الأكبر سناً عبر التفويض التلقائي كـ(قائدة). وتستند قيادتها وسلطتها لخبرتها الطويلة وقدرتها على اتخاذ قرارات سليمة يحفظ مصالح القطيع. فعندما يحدث جفافٌ مُستمر، يعتمد بقاء القطيع على قدرتها على تذكر وجود مصدر مياه ومرعى موثوق به، ويُسر سُبل الوصول إليه لحفظ البقاء.
ولدى طيور الحمام هرمية اجتماعية معقدة، ويمكن لذوات الرتب المنخفضة التشاور والتصويت على رحلة السرب التالية. ويوجد نظام (مرن) لاتخاذ القرار يُظهر أن بعضها (أكثر ميلاً للقيادة)، والبعض الآخر (يميل للانقياد والاتباع). وتصير أنثى نحل العسل (ملكة) (آلة لوضع البيض) بناءً على ما تأكله من (غذاء ملكي) في باكر حياتها. وتقدمه لها النحلات العاملات ذات التأثير فيمن ستصبح ملكة المستقبل.
في الختام
1. تمارس الدواب والطير (الديمقراطية) بشكل فطري طبيعي مرن.
2. قراراتهم التشاركية الجماعية تبدأ من تنوع الرؤى، وقدح زناد الأفكار، وتعدد وجهات النظر.
3. تتضح الاستقلالية والاحترام داخل الجماعة مما يخلق قرارات جماعية أكثر ذكاءً وتوازناً.
4. الوقت الكافي عنصر في حسم قرارات البحث عن الغذاء، أو اختيار البيت والمسكن، أو اختيار القادة.
5. الإقناع يتم بصور عدة، ودون تسرع كي لا يقع أي ضرر.
6. الاختلاف ليس عيباً، بل ضرورة للوصول إلى القرار الأمثل.
7. (الحكمة الجماعية) تتفوق كثيراً على عبقرية الفرد.
8. الطبيعة حُبلى بفنون في الإدارة تحتاج لتأمل وتدبر.