مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

القارئ الجديد وتغيّر الذائقة القرائية

شهدت القراءة في السنوات الأخيرة تحولاً جذرياً، لم يقتصر على الوسائط والأدوات فحسب، بل شمل أيضاً طبيعة القارئ نفسه وذائقته القرائية. فقد ظهر ما يمكن تسميته (القارئ الجديد)، وهو قارئ تشكّلت عاداته واهتماماته في ظل الثورة الرقمية وتسارع وتيرة الحياة وتنوع مصادر المعلومة. يتميّز القارئ الجديد بسرعة التلقّي، واعتماده المتزايد على الشاشات بدل الكتاب الورقي، حيث أصبحت الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية مصدره الأساسي للقراءة. هذا التحوّل أثّر بشكل مباشر في الذائقة القرائية، إذ مال القارئ إلى النصوص القصيرة، والمقالات السريعة، والملخصات، بدل الأعمال الطويلة التي تتطلّب صبراً وتركيزاً عميقين، مما أدى لضرورة تغيير طبيعة المحتوى المفضّل لدى القارئ الجديد.
فبينما كان القارئ التقليدي يميل إلى الأدب الكلاسيكي والنصوص الطويلة، والتي تتطلب تركيزاً وربطاً للأحداث السابقة واللاحقة، وتترك له فسحة للتنبؤ وتخييل الحدث؛ أصبح القارئ المعاصر أكثر انجذاباً إلى الموضوعات الآنية، مثل: قضايا الشباب، والتنمية الذاتية، والتكنولوجيا، والقصص الواقعية، إضافة إلى النصوص التي تمزج بين المعرفة والترفيه. وقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تعزيز هذا التوجّه من خلال تقديم محتوى ترفيهي سريع وسهل الاستهلاك.
وحول هذه الإشكالية في عالم صناعة الكتاب وتحديات القراءة؛ كان لنا هذا التقرير مع عدد من الكتاب:
احتياجات القارئ الجديد
وفي هذا السياق، تشير الكاتبة اليمنية الدكتورة هدى العطّاس والتي تربط علم الاجتماع بالأدب إلى أهمية وعي الكتّاب بتحوّلات السيكولوجية النفسية لمتطلبات القارئ الجديد، إذ ترى أن على الكتّاب أن يكتبوا في قضايا وهموم تلامس الجيل الشاب، حتى يمكن جذب الشباب إلى القراءة، ومن ثمّ تشجيعهم على شراء الكتب واقتناء الكتاب ليصبح مرجعاً. فالأدب، في رأيها، لا ينبغي أن ينفصل عن واقع القرّاء، ولا عن أسئلتهم اليومية وتحدياتهم الوجودية المعاصرة، ومن هنا تبرز مجدداً أهمية دور المدرسة في ترسيخ عادة القراءة، من خلال الحصص الدراسية التي تشجّع الطلاب على القراءة المنتظمة والموجّهة. فرغم أن القراءة الإلزامية قد تبدو للبعض عبئاً، فإنها تظلّ خطوة أساسية في بناء العلاقة الأولى بين الطالب والكتاب، وتمهّد لاحقاً لقراءة واعية منتقاة نابعة من الرغبة والاهتمام.
الصدمة الإسعافية لصناعة الكتاب
أما الكاتب والناقد السوري الدكتور عبدالقادر المنلا فيقدم رؤية تشاؤمية تجاه واقع القراءة وصناعة الكتاب في العالم العربي؛ إذ يرى أن سوق الكتاب اليوم بحاجة ماسّة إلى ما يشبه (الصدمة الإسعافية)، في ظل انصراف الأجيال الحالية عن القراءة الجادّة، وانشغالها بمتابعة التفاهات والمحتوى السريع الذي تقدّمه وسائل الإعلام والمنصّات الرقمية، وهو محتوى لا يتطلّب جهداً فكرياً ولا زمناً طويلاً للتفاعل معه. ويعبّر الدكتور المنلا عن موقف سلبي متشائم تجاه صناعة النشر بشكل عام، معتبراً أنها تعاني من أزمات بنيوية تتعلّق بضعف التوزيع، وتراجع دور الكتاب في الحياة الثقافية، إضافة إلى غياب إستراتيجيات حقيقية قادرة على استعادة القارئ، وإعادة الاعتبار للكتاب بوصفه أداة معرفة وتفكير.
كيفية جذب القارئ
وحول كيف يمكن جذب القارئ غير التقليدي؛ تشير الروائية الفلسطينية مي جليلي إلى أن الجيل الجديد محظوظ بوفرة مصادر المعلومة، وتنوع القصص المتاحة التي يمكنها أن تشكل له مخزوناً ثقافياً متنوعاً، مما يمكنه من اختيار مصادر معرفته. وهنا يبقى التحدي الأكبر للكتّاب ودور النشر ممن تقع على عاتقهم مهمة تطوير أدواتهم بما يتناسب مع متطلبات سوق الكتاب وحاجات الشباب الذهنية.
وحول كيفية جذب القارئ غير التقليدي لا بد من اتباع مجموعة من الإستراتيجيات الواقعية والعملية، منها بداية اختيار موضوعات تلامس اهتماماته الجيل الشاب، فالقارئ غير التقليدي لا ينجذب غالباً إلى الطرح النظري أو الكلاسيكي، بل يفضّل القضايا القريبة من حياته اليومية وشخصيات تشبهه من لحم ودم، مثل قضايا الشباب، والهوية، والعمل، والعلاقات، والتكنولوجيا، والتنمية الذاتية، شريطة أن تُقدَّم بلغة واضحة وغير متكلّفة، وتبسيط الأسلوب دون تسطيح المحتوى.
فالقارئ الجديد ينفر من اللغة المعقّدة والجمل الطويلة والسرديات الماضية، لكنه لا يرفض العمق الفكري إذا قُدّم بأسلوب سلس وجذاب يعتمد الأمثلة والسرد.
إضافة إلى الاهتمام بشكل الكتاب: الغلاف، والعنوان، والتصميم الداخلي، فهي عناصر مؤثرة جداً في قرار الشراء. فالقارئ غير التقليدي يتعامل مع الكتاب على أنه منتج بصري أيضاً، لا محتوى فكري فقط.
وقبل كل شيء لا بد من التسويق الذكي عبر المنصّات الرقمية، فوجود الكتاب على وسائل التواصل الاجتماعي، وتقديم مقتطفات قصيرة منه، ومراجعات مرئية أو صوتية؛ يخلق فضولاً لدى القارئ ويدفعه للتجربة والشراء.
ويمكن اعتبار أن إعادة بناء العلاقة مع المنتديات الثقافية الاجتماعية، وإحياء النقاشات وجلسات القراءة العلنية للكتب المنشورة؛ من شأنها المساهمة بخلق جيل معتاد على القراءة، حتى وإن بدا في بدايته صعباً.
لا يمكن جذب القارئ غير التقليدي بالحنين إلى الماضي أو لوم التكنولوجيا؛ بل بفهمه، واحترام ذائقته، والتكيّف مع تحوّلاته، دون التفريط بقيمة الكتاب ودوره الثقافي والمعرفي. والتركيز على ما يهم تطلعاته نحو المستقبل حتى يتسنى له خلق مناخ فكري حر تواق للإبداع.
في الختام، يمكن القول إن تغيّر الذائقة القرائية هو نتيجة طبيعية لتحوّلات العصر.
ويبقى التحدي الحقيقي أمام الكتّاب والمؤسسات الثقافية والتربوية هو إيجاد توازن بين متطلبات القارئ الجديد والحفاظ على قيمة القراءة العميقة، بما يضمن استمرار القراءة بوصفها فعلاً معرفياً وثقافياً فاعلاً في بناء الفرد والمجتمع والمؤسسات الفاعلة.

ذو صلة